فهرس الكتاب
فهذا التسلسل المتداخل للحروف الذي تحدثه الحركة هو الذي يسمونه الإدراج . يقول ابن جني:"أصل الإدراج للمتحرك إذ كانت الحركة سببًا له وعونا عليه" (الخصائص 58/1) . ويعني اللغويون العرب بذلك أن الكلام الطبيعي متصل بعضه ببعض ولا انقطاع فيه ولا مقاطع (16) تحصل فيه (إذا كانت تأدية الحروف عادية ) كما يتصوره اليونانيون ومن تبعهم ، وعناصره مدرجة فيه بحيث تصير مثل سيلان المواقع (17) . والدليل على ذلك هو أن"الحرف الساكن ، كما يقول ابن جني، ليست حاله إذا أدرجته إلى ما بعده كحاله لو وقفت عليه (18) ..."وسبب ذلك عندي أنك إذا وقفت ولم تتطاول إلى النطق بحرف آخر من بعده تلبثت له ولم تسرع الانتقال ... فأما إذا تأهبت للنطق بما بعده وتهيأت له وتنشمت فيه فقد حال ذلك بينك وبين الوقفة" (نفس المرجع) (19) "
ثم إن للحركة التي بها يتم الإدراج تأثيرا كبيرا على الحرف الذي تحدثه لأنه"يتقوم بها"وبما أن لها مخرجا كمصوت (أو نَفَس) فتجذب الحرف إلى مخرجها . يقول ابن جني:"لأنها تقلق الحرف الذي تقترن به وتجذبه نحو الحروف التي هي أبعاضها (سر الصناعة ، 30,1) ويقول الرضي:"لأن الحركة لشدة لزومها للحرف وإن كانت متعقبة لها [الياء] تفت في عضدها وتشربها شيئا من جوهر نفسها وتميلها إلى مخرجها شيئا" (شرح الشافية 10,3) ."
هذا هو التصور العربي للدينامية اللفظية الطبيعية: فاتصال الحروف يقتضي التهيؤ للنطق بالحرف التالي في الوقت الذي ينطق بما قبله وهذا يحدث في أثناء النطق بالحركة أي في بداية الخروج من مخرج الحرف والانتقال إلى مخرج آخر فالحركة ههنا هي مثل حركة الصور في الأفلام السينمائية فلا انقطاع فيها بين صورة وأخرى إطلاقا . فهذا هو الإدراج وما أبعد هذه الرؤية من التصور اليوناني الذي يجعل من الكلام مجرد تعاقب للعناصر الصوتية تقترن بعضها ببعض دون أن يكون هناك إدراج للحركات المحدثة لها .