فهرس الكتاب

الصفحة 1833 من 4462

هناك ظاهرة أخرى في مجال تفصح الدارجة الليبية جديرة بالنظر والاهتمام، بل المتابعة واستخلاص النتائج، أعني لغة الأطفال خصوصًا. فالملاحظ أن هذه اللغة أميل إلى الفصحى. وأدرك شخصيًّا أن لغة أولادي تختلف كثيرًا عن لغتي يوم كنت في سنهم وهي أفصح من لغة الكبار بصورة ملحوظة، وإذا كان للتعليم أثره الذي لاينكر فإن السنوات العشر وبخاصة الأخيرة منها كانت ذات أثر أعمق وأوسع جاء من طريق عجيب، أعني مسلسلات مايدعى في ليبيا"الرسوم المتحركة" (في أقطار أخرى: أفلام الكرتون - وهما كلمتان أعجميتان ) .

هذه الرسوم المتحركة تنطق شخصياتها المحبوبة جدًّا بالعربية الفصيحة في حوارها كما أن التعليق المصاحب لها فصيح كذلك. وقد كان لهذا الاتجاه المبارك تأثيره المحمود في تعويد الأطفال المتابعين لهذه الرسوم بشغف زائد النطق بالفصحى ترديدًا لما يسمعون. وكثيرًا جدًّا ما أسمع الأطفال يتحاورون - وهم يلعبون- بلغة هذه الشخصيات يقلدونها تقليدًا محكمًا جميلًا. لذا فإن ترجمة بعض قنوات التلفزة العربية حوار هذه الرسوم إلى لهجة دارجة في قطر من الأقطار تدعو للأسف وتجب محاربتها والوقوف في وجهها، ذلك لأنها تغلب لهجة ذاك القطر، أو تحاول أن تفعل، من جهة ، وهي الخاسرة لأن هذه اللهجة قد تكون غير مفهومة في قطر آخر وقد تؤدي إلى تشبث أقطار أخرى بلهجاتها من جهة أخرى، إلى جانب كونها دعوة إلى"تلهيج"اللغة المشتركة مما يؤدي إلى أذى كبير يبعد الفصحى ويغلب اللهجات. والجميع يدركون خطر هذا الاتجاه كما يدركون الأثر الكبير الذي تتركه هذه الرسوم المتحركة في لغة الأطفال.

ليس هذا فحسب، بل إن ثمة ظاهرة أخرى محمودة كذلك يثنى على أصحابها الثناء كله وهى تقديم ما يعرف بـ"المسلسلات المكسيكية"بالعربية الفصحى، بصرف النظر عن محتواها ومضمونها .

فهى لاريب أدت إلى تغليب الفصحى على الدارجة وكان لها أثر واضح. فهل يمكن أن ننتبه إلى هذا الأمر ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت