فهرس الكتاب
ولم تجد محاولات عبد الكريم في إقناع أستاذه الطاعن في السن بالعدول عن توصيله ، في هذا الوقت الذي كان يبلغ منتصف الليل، والظلام ما يزال مطبقا على القاهرة ، ونزل الأستاذ الشيخ إلى حيث أخرج سيارته من مكمنها بأسفل داره ، وأخذ يشق بها ظلمات الشوارع ، حتى أوصل المحرر الشاب إلى داره !
هكذا كانت الصلة وثيقة وحميمة بين أعضاء المجمع ومحرريه، صلة مثلى خلقًا وعلمًا؛ يتاح في كنفها لهؤلاء المحررين أن يقبسوا أخلاق العلماء من هؤلاء الأعضاء، العمالقة الأفذاذ ، كما يتاح لهم أن يفيدوا من علمهم الجليل ، وخبرتهم الثرية العريقة؛ فيجمعون بين المدارسة النظرية ، والممارسة الميدانية ، في العمل المعجمي .
وبذلك كان المجمع أشبه بجامعة لعلم المعجمات، وعمل المعجمات!
أيها السادة:
مضت الأعوام بعبد الكريم، وهو يرقى في درجات التحرير ؛ فرقي من المحرر، إلى المحرر الأول.. ثم إلى رئيس التحرير، حيث تأهل - بما اكتسبه من علم ، ودربة ، وخبرة - لأن يتبوأ مركز الأستاذ الذي يشرف على المحررين ، ويراجع ما أعدوه من المواد المعجمية، وكان يشاركه في ذلك زميلان جليلان، هما: الأستاذان: عبد العليم الطحاوي ، وعلي هلالي، وقد أدركنا - أخي مصطفى حجازي وأنا - ذلك العهد ، وأشرفنا على ما يعده بعض محرري المعجم الكبير .
وقد ظل الأستاذ عبد الكريم يرقى الدرجات الوظيفية المجمعية حتى حاز منصب المراقب العام للمعجمات وإحياء التراث ؛ فكان يشرف على المعجمات اللغوية الثلاثة: معجم ألفاظ القرآن الكريم، والمعجم الوسيط، والمعجم الكبير ، كما كان يشرف على إحياء التراث اللغوي، فأصدر المجمع
العديد من نفائسه.