فهرس الكتاب
وقد تولدت عن هذه الصلة العلمية الحميمة بين المشرف والمحرر صلة أخرى سداها ولحمتها أبوة وبنوة!
وقد حدثني الأستاذ عبد الكريم عن تلك الصلة المثلى التي كانت بينه وبين المشرف عليه في إعداد المعجم الوسيط؛ وهو الأستاذ العلامة إبراهيم مصطفى، عضو المجمع ، وصاحب الكتاب المشهور"إحياء النحو".
فلم يكن عملهما معًا مقصورًا على المجمع ، محصورًا في أوقات العمل الرسمية، بل تجاوز ذلك إلى خارج المجمع، في أوقات أخرى من نهار أو ليل؛ فقد كان المحرر الشاب عبد الكريم يختلف إلى دار أستاذه المشرف إبراهيم مصطفى ، حيث كانا يعملان معًا فيما عهد إليهما من مواد المعجم الوسيط، وقد يمتد العمل بهما إلى وقت متأخر من الليل !
ومن طريف ما حكاه لي أنه كان ذات ليلة في دار الأستاذ إبراهيم مصطفى، لمراجعة مادة أعدها للمعجم الوسيط، وكان ذلك في أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد أخذ الألمان يشنون غاراتهم الجوية على مصر،بين حين وآخر، وفي هذه الليلة أطلقت صفارات الإنذار، فأطفئت الأنوار، وأسرع الناس باللجوء إلى المخابئ فزعين!
ولكن الأستاذ إبراهيم مصطفى جاء بمصباح غازي - بعد أن أطفأ الأنوار الكهربية في بيته ، وأغلق نوافذه ، وقال:
-سنظل هنا - يا عبد الكريم - نواصل عملنا في ضوء هذا المصباح!
وواصلا عكوفهما على العمل حتى أطلقت صفارات الأمان، وكانت الساعة قد اقتربت من منتصف الليل، فنهض المحرر الشاب عبد الكريم ليمضي إلى بيته، ولكن أستاذه الشيخ استوقفه قائلا:
-انتظر يا عبد الكريم حتى أوصلك بسيارتي إلى دارك .
فقال له:
-الغارة انتهت - يا أستاذي - والترام يعمل حتى الواحدة بعد منتصف الليل.