فهرس الكتاب

الصفحة 2125 من 4462

أما ما ادعاه من حدوث هذا القول فغير مطابق للواقع فليس مكي أول من تكلم عن المقاييس الثلاثة ولم يستبدل التواتر بها؛لأنه لم يستعمل هذا المقياس في القراءات أحد من علماء القراءات قبله كما رأينا. وإن صح أنّ مكيا نفسه قد صرح بأنه لا يثبت قرآنًا إلا بالنقل المتواتر (الإبانة ص 24 وسبق أن ذكرنا ذلك ) فإنه لا يستدل بتواتر القرآن على تواتر القراءات السبع وغيرها فَرْدًا لأن تواتر القرآن تكفيه قراءة واحدة . ومعنى ذلك أن القرآن لا يلزم من تواتره تواتر جميع القراءات السبع ضرورة وفَرْدًا فَرْدًا إذ تواتر قراءة في آية وقراءة في آية أخرى دون أن تجتمع القراءات السبعة كلها كافٍ لتواتر القرآن بأجمعه( مع

تواتر النص المتمثل في مصحف عثمان ثم نزول القرآن على سبعة أحرف لم يفض إلى تواتر كل هذه الأحرف ). والحادث في الأمر هو، في الحقيقة ، اشتراط التواتر بالذات لا عدم اشتراطه وقبل ذلك الوصف للقراءات نفسها بالتواتر: لا الوصف وحده بل مع الترك النهائي لمقياس السلف وهو"قراءة العامة" (عامة أئمة الأمصار ) وحدث ذلك أول ما حدث في النصف الأخير من القرن الرابع عند المتكلمين والأصوليين خاصة حيث عمموا التواتر للقراءات أما التعميم الذي سموه"قراءة متواترة"إلى السبعة ثم الثلاثة وقصره عليها فانتشر وعمّ في نهاية القرن السادس والنصف الأول من القرن السابع بما صدر من الفتاوى وغير ذلك .

وبهذا ندرك موقف ابن الجزري فهو جد معقول وهو أقرب المتأخرين مع أبي شامة إلى العلماء

المتقدمين . ودفاعه عن العشرة أيضا له ما يبرره فما من قراءة من السبعة أو العشرة إلا ولها وجه إلا القليل كما

أثبت ذلك علماؤنا في أقدم الأزمنة.

والله ولي التوفيق

عبد الرحمن الحاج صالح

عضو المجمع المراسل

من الجزائر

المراجع

-إبراز المعاني من حرز الأماني لأبي شامة، تحقيق عطوة عوض. القاهرة 1402 هـ.

-الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ، جزآن ، القاهرة 1951م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت