... ولكنَّ الأمر في لغتنا على خلاف ذلك، فهى لغة اشتقاقية مُعْرَبة منقوطة، والاختلاف في أبنية كلماتها وفى موازينها للدَّلالة على المعانى المختلفة إنما يكون بتغير الحركات وبعض الحروف. ومن قديم وقع"التصحيف"والتحريف لأن بعض المتعلمين كانوا يأخذون من"الصُّحُف"أى من الكتب، ولم يسمعوا من الشيوخ المعلِّمين. وأصبح الأخذ عن الشيخ عُرفًا تتميز به مجالس العلم ودُورُ التعليم في حضارتنا، استمرّ قرونًا إلى أن أخذنا طريقة"القراءة الصامتة"، وطبقناها على أطفالنا وناشئتنا، قبل أن يتمكنوا من لغتهم، ويسيطروا على
مخارج حروفها وأساليب نطقها؟
... وتنجلى الأمور حين نعرف أن مثل هذه النظريات التعليمية إنما هى تجارب يطبّقونها عندهم في مدرسة أو عدد من المدارس التجريبية، ثم لا يلبثون أن يرجعوا عنها حين يظهر لهم فسادُها، ولكنَّ بعض الذين درسوا عندهم منّا يظنُّون أن تلك النظريات قوانين ثابته، وأنها الحقيقة التى لا مِرْية فيها وأنها الوسيلة للتطور والدخول في العصر. وأقول"بعضهم"،ومعاذ الله أن أنزلق إلى التعميم، فإن منهم من هم في الغاية من الوعى والإدراك والتنبه لكثير مما أشرنا إليه.
... ألا يحتاج الأمر إذن إلى رويّة، وإلى فحص الأسلوب المستورَد وطبيعةِ اللغة لمعرفة مدى التوافق بينهما، حتى لا يكون الأسلوب المرجوّ للنجاة سببًا آخر من أسباب الضياع . ؟
... وقد علّق بعض رجال التربية على ما تقدّم من حديث بقوله:"إن استخدام القراءة الصامتة على سعة-فى العصر الحاضر-أمر ضرورىّ للطلبة بسبب التفجّر العلمى وأهمية الوقت في مجالات الحياة، وليس معنى هذا أن يُحدث إضرار بالقراءة الجهرية، فلها قيمتها ووزنها كما جاء في هذه الدراسة. وواقع مناهجنا أنها تأخذ بهذين النوعين من القراءة، وأن كُتُبَنا المطوّرة عُنيت بالتشكيل لدعم القراءة الجهرية، وكذلك الشأن في أدلّة المعمين لتوضيح المسيرة في تعليمها".