ومن أمثلة ذلك أيضًا أن أهل التعليم في بعض البلاد الأخرى أخذوا بطريقة تعليم الأطفال الكلمةَ كلَّها، وأحيانًا الجملة كلّها، دُفعةً واحدة، قبل البدء بتعليم الحروف مفردة. وتَعِبنا في اقتباس هذا الأسلوب، وتخبّطنا في تطبيقه، وطال تعبنا وتخبّطنا، إلى أن صار الطفل يقضى في المدرسة أربع سنوات أو تزيد ولا يزال يجهل قراءة سطر واحد من غير الكلمات التى حفظها عن ظهر قلب-لا عن فهم ومعرفة-وأصبحنا نشكو من أن بعض هؤلاء الأطفال لا يزالون يجهلون كتابة أسمائهم صحيحة بعد هذه السنوات من التعلّم. وقد أدركت أمم أوربية أخرى الفروق بين لغاتها في الطبيعة والأصول وبناء الكلمات وصياغة التراكيب، وخاصة تلك اللغاتِ الأوربيةَ التى لا تزال تحتفظ ببقايا من الإعراب (*) ، فلم تأخذ بهذا الأسلوب في تعليم لغاتها، لأنه لا يستقيم به أمرُها. ونحن أجدر من تلك الأمم بأن نتأنّى وندرس الفروق بين طبائع اللغات، ونعرفَ ما يصلح للغتنا فنأخذ به، قبل أن يستهوينا أسلوب غريب عن طبيعة هذه اللغة لأنه نجح عند غيرنا.
... ولكنّ بعض أساتذة التربية عندنا يرون"أن مدارسنا تأخذ بمحاسن الطريقتين الكلية والجزئية في تعليم المبتدئين، ولا تقتصر على الطريقة الكلية. وقد اتّبعتْ كتُبنا المطوّرة الخاصة بالصف الأول الأساسى هذه الطريقة، معتمدة على خبرة سنوات طويلة ونتائج بحوث في هذا المضمار في عدة بلدان عربية".
... ونستطيع أن نستنتج من ألفاظ هذه الفقرة أن الجمع بين الطريقتين أمر حديث جدًّا ،لأنه لم تأخذ به إلا الكتب المطوّرة الخاصة بالصف الأول الأساسى، وأن هذا الجمع لم يكن قبل ذلك. وهذا أمر يدعو إلى الاستبشار بمستقبل أفضل للأجيال القادمة في معرفة الحروف والكلمات وتعلّم القراءة. ويبقى أننى لم أفهم كيف تأخذ
مدارسنا"بمحانس"الطريقتين. فهل لهما مساوئ تُتْرَك ويَقْتصر الأخذُ على المحاسن؟ أو أن المقصود الأخذ بالطريقتين من حيث هما أسلوبان لتعليم القراءة.