فهرس الكتاب
العامية فصحى محرفة (*)
محاضرة
للأستاذ الدكتور شوقي ضيف رئيس المجمع
الزملاء المجمعيون من المصريين والعرب والمستعربين
السيدات والسادة:
... للعامية أنصار كثيرون وخاصة في مصر، يقولون: دعونا نتخذ العامية لغة لأدبنا لأنها لغة بسيطة تمتلئ بها الأفواه في حياتنا اليومية بينما الفصحى لغة نزيلة في ديارنا، وقواعدها معقدة وتحتاج منا جهدًا في تعلمها. ومن يقولون هذا القول عن الفصحى لا يعرفون تاريخها، ولا أنها حين خرجت من الجزيرة العربية مع الفتوح الإسلامية قهرت بعذوبة لسانها وبيانها جميع اللغات التي التقت بها من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلنطي: قهرت الفارسية في إيران، والآرامية والنبطية في العراق، والسريانية واليونانية في
الشام، والقبطية واليونانية في مصر، واليونانية واللاتينية والبربرية في المغرب، واللاتينية والرومانثية في الأندلس بإسبانيا. استعلت على كل هذه اللغات ونحَّتْها عن ألسنة الشعوب في كل هذه الديار وحلت محلها في الألسنة.
... ولقد نزلت اليونانية الشام ومصر منذ عهد الإسكندر وظلت لغة حكامهما ولغة الإدارة فيهما قرونًا، وبالمثل نزلت اللاتينية واليونانية البلاد المغربية ولم تستطع إحدى اللغتين أن تنقل إحدى البلدان التي سيطرت عليها إلى لسانها إذ بقيت لغة للحاكم وحاشيته، وظلت الشعوب في الشام
ومصر والمغرب تتحدث بلغتها المحلية أما الفصحى فبمجرد أن نزلت فيها
أخذتْ لغاتُ كل هذه البلدان تُزَايلها وتحل محلها تدريجيا، حتى قضت عليها نهائيا واستحالت بلدانا عربية دون تدخل حاكم عربي وإدارته الحاكمة في أي بلد بقوة الفصحى الذاتية وقوة القرآن الكريم. وأعدها ذلك لأن تصبح لغة عالمية، مما لم يتح لأية لغة قديمة سواها.