فهرس الكتاب

الصفحة 2275 من 4462

... ويردِّدُ أنصار العامية أن الفصحى لغة تراثية لا تلائم العصر، وفاتتهم معرفة أن الفصحى الآن إنما هي لغة عصرية حديثة أخذت في الظهور منذ أواسط القرن الماضي ببواعث مختلفة، منها رؤية الأدباء - وخاصة المترجمين - أساليب النثر الأدبي والعلمي الغربية وأنها تخلو من قيود السجع والبديع، وكانت قد طُبعت حينئذ كتب ابن المقفع والجاحظ، فعمدوا إلى استخدام لغة تعتمد على الأسلوب المرسل الخالي من كل قيد، ولم تلبث الصحف أن ظهرت واتجهت إلى الجمهور، فكان طبيعيا أن تتخذ هذا الأسلوب المرسل الجديد حتى يفهم الشعب ما تريد أن تخاطبه به من أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد، وأخذ الصحفيون يحاولون تبسيط لغتهم حتى تفهم ما يقولونه طبقات الشعب المختلفة، وأعد ذلك لفصحى عصرية حديثة مبسطة غاية التبسيط، وأخذت الأجيال التالية من الصحفيين والأدباء تبسطها صورا مختلفة من التبسيط. ونلتقي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بأول جيل صحفي مهم عمل على إشاعة هذه الفصحى الحديثة: جيل الشيخ محمد عبده، وأحمد لطفي السيد، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وكانوا يكتبون مقالاتهم الصحفية بلغة مبسطة سهلة تمتع القارئ، وخلفهم منذ العشرينيات في هذا القرن جيل من أدباء الفصحى الحديثة البارعين من أمثال عباس العقاد، وإبراهيم المازني، وطه حسين ومحمد حسين هيكل، وبلغوا بهذه الفصحى الحديثة الغاية في جمال الصياغة وروعة الأسلوب، وعاونهم في الأداء بها للفنون المستحدثة من القصص والمسرحيات غيرُ أديب من الشباب الجامعي وغيرهم مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ. وصِيغ بهذه الفصحى الحديثة في القرن العشرين كل ما ترجمه الأدباء المصريون الأفذاذ وكل ما كتبه علماء مصر من اقتصاد وعلم اجتماع أو علم نفس أو تربية أو علوم طبيعةٍ وغير طبيعة أو فلسفة. وكل ذلك كتبه أدباؤنا وعلماؤنا بالفصحى الحديثة، ووضعوا له معاجمه التي تضعها مجامع اللغة العربية وعلماء الأمة الأعلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت