فهرس الكتاب
وليس لنا كتاب في علم أو فكر أو قانون أو سياسة أو تاريخ قديم أو حديث أو في أي فن من الفنون إلا كتب بهذه الفصحى الحديثة، وكُتِبَ بها أدبنا بقصصه وأقاصيصه ومسرحياته البارعة، أما المقالات فتنشر يوميًّا في الصحف التي تحملها الملايين من الشعب صباح مساء.
... والفصحى الحديثة لم تؤدِّ لنا في القرن العشرين فقط كل معارفنا وثقافتنا وعلومنا وآدابنا وفكرنا فقد أدت لنا أيضًا الآداب الغربية كاملة وما خلَّفه شعراء الغرب المبدعون وكتَّابه وفلاسفته. ومر بنا زمن كنا نأخذ عن الغرب أعماله الأدبية ولا نعطيه شيئًا. وخَلَفَتْ هذه المرحلة في القرن العشرين مرحلة جديدة نقلت إلى الغرب فيها مسرحيات لتوفيق الحكيم وغيره، ومثلت على مسارحهم، كما نقلت إليهم قصص بديعة لنجيب محفوظ وغيره وأعجبوا بها. وبذلك أصبحت الفصحى الحديثة تتبادل مع اللغات الأوربية أعمالها الأدبية. أصبح أدبنا عالميًّا كما أصبحت الفصحى لغة عالمية في الأمم المتحدة.
... ومع ما للفصحى الحديثة من هذا الكيان الأدبي والعلمي والفكري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والقانوني يقول أنصار العامية: إنها لغة تراثية وهي لغتنا العصرية، ولغة قوميتنا وعروبتنا الخالدة، ولغة كياننا ووجودنا على صفحات التاريخ. بينما العامية التي ينتصرون لها ليست لغة، وهي لا تحمل شيئًا مما ذكرت ولا تتمثله، إنها لهجة يومية مؤقتة، ولا تحمل لنا دينًا ولا علمًا ولا فكرًا ولا ثقافة ولا تاريخًا، مثلها في ذلك مثل اللهجات اليومية المتولدة من اللغات الحية الكبرى مثل الإنجليزية، لهجات لأداء الحاجات اليومية في الشارع والسوق والمصنع ولا تحمل أدب الأمة وفكرها ولم يقل أحد هناك: دعونا نتخذ لهجة السوق أو الشارع لغة أَدبنا، ولم يقل أحد عندهم: دعونا نتخذها للتعبير عن أدبنا الرفيع وفكرنا العميق.