فهرس الكتاب
... ومع أن الكثرة الغالبة من ألفاظ العامية ذات أصل فصيح نراها تهمل إعراب الألفاظ، وهو تغيير حركاتها في أواخر الأفعال والأسماء المعربة، وهو من أهم خصائص الفصحى، ويقف المتحدثون بالعامية على أواخر الكلمات بالسكون، ولم يذكر عن قبيلة عربية قديمة أنها أهملت إعراب الكلمات، وكل ما ذكر عن الشعراء القدماء أنهم قد يسكنون كلمة معربة في بيت من أبياتهم لضرورة الوزن في الشعر كقول امرئ القيس:
فاليومَ أشربْ غير مُسْتَحْقبٍ
إثما من الله ولا واغل
مستحقب: مكتسب. وسكَّن امرؤ القيس الفعل:"أشربْ"وحقه الرفع لضرورة الشعر، وهو بيت وحيد في شعره. وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: إن قبيلة تميم تجيز حذف الحركة الإعرابية أحيانا، ونظن أنها كانت تجيز ذلك إذا توالت الحركات في مثل قوله تعالى في سورة البقرة: (ويعلِّمُهم الكتاب) بتسكين الميم وبذلك كان يقرأ أبو عمرو بن العلاء وهو تميمي، ويعلق ابن مجاهد في كتابه: القرَّاء السبعة على قراءته بقوله:"إن أبا عمرو كان يسكن لام الفعل في مثل ذلك للتخفيف في النطق أي لا لطرح الإعراب. وقُرئت آية سورة (المنافقون) : (فأصَّدَّقَ وأكَونَ من الصالحين) بتسكين النون في (وأكون) لتصبح ( فأَصَّدَّقَ وأكنْ من الصالحين ) دون جازم، وبذلك قرأ ستة من القراء السبعة المشهورين هم: نافع وابن كثير وعاصم وحمزة وابن عامر والكسائي، وهو مثال وحيد في قراءات القرآن الكريم، وكأنما أريد بالتسكين وجوب الصلاح على المتكلم. وقرأ أبو عمرو ابن العلاء لفظ: ( وأكن ) بالتسكين ( وأكون ) بفتح النون عطفا على ( فأصدق ) السابقة لها ."