فهرس الكتاب
... وإعراب الكلام في الفصحى وتغير الحركات في آخر الكلمات حسب مواقعها من الإعراب جزء لا يتجزأ من النطق بالعربية، سواء في القرآن الكريم أو في الحديث النبوي الشريف أو في الشعر أو في الخطابة أو في الكتابة. ورُويَ أن قبائل ربيعة كانت تقف بالسكون على آخر المفعول به، واستشهدوا لها بقول أحد شعرائها:
أَلا حبذا غُنْمٌ وحسنُ حديثها
لقد تركتْ قلبي بها هائمًا دَنِفْ
ودنف: سقيم، وسكن الشاعر لفظ"دنف"وحقه النصب مثل"هائمًا"قبله. وربما سكنه الشاعر لضرورة القافية في القصيدة. على أن البيت لا يصلح شاهدًا على تسكين ربيعة للمفعول به، لأن"دنف"فيه تقع موقع الحال لا موقع المفعول به.
... والعامية المصرية لا تختص وحدها بإهمال الإعراب في الكلام بل تشترك معها في هذه الظاهرة جميع العاميات العربية من الخليج العربي إلى المحيط الأطلنطي، إذ كانت لغاتها المحلية تسكن أواخر الكلم، فلما تعربت أخذت تحاول إهمال الإعراب بصور مختلفة حتى تم لها ذلك بعد قرون تتفاوت بتفاوت الشعوب.
بدء شيوع العامية في مصر
... لا يعرف بالضبط بدء التاريخ الذي ظهرت فيه العامية بمصر. والمظنون أنها أخذت في التكون بالقرون الأولى من فتح العرب لمصر، إذ أخذت في التعرب بعامل دخول كثرة من أهلها في الإسلام، حتى ليبلغوا في عهد معاوية نحو نصف سكانها الأصليين من القبط، إذ اعتنقوا الإسلام، وأخذوا يتعلمون لغته الفصحى. وعامل ثانٍ كان أثره في تعرب مصر أكبر، وهو نزول كثرة من القبائل العربية مصر وخاصة من القبائل القيسية حين سمعت بخيراتها وطيباتها من الرزق، وظلت هذه القبائل العربية تنزل بمصر حتى عصر الدولة الفاطمية وهجرة القبائل الهلالية إلى مصر، ثم إلى تونس والبلاد المغربية.