فهرس الكتاب
... والعامية المصرية إنما تمت بالتقاء العربية الفصحى فيها باللغة القبطية وما حدث من امتزاج بين العرب والمصريين في المسكن والمعيشة والمصاهرة وأخذت تسود عامية كانت الغلبة في أفعالها وأسمائها وضمائرها للفصحى وهي لذلك عامية عربية، وكان أول ما حرَّفته من عروبتها التزامها بإهمال الإعراب في أواخر كلامها منذ العصر الفاطمي إذ نجد أكبر علماء مصر اللغويين في القرن السادس الهجري: ابن بري المتوفى سنة 582 للهجرة يهمل الإعراب في كلامه، يقول ابن خلكان إنه كان لا يتقيد في حديثه بالإعراب ويسترسل في كلامه كيفما اتفق، وقال يوما لأحد تلامذته ممن يشتغل عليه بالنحو: اشتر لي هندبا بعُروقو، فقال له التلميذ مصححا عبارته: بعروقه، فعزَّ عليه تصحيح التلميذ للفظه، فقال له: لا تأخذه إلا بعروقو، وإن لم يكن بعروقو فلا تأخذه، يقول ابن خلكان: وكانت له كلمات من هذا الجنس، لا يكترث بما يقوله، ولا يتوقف على إعرابها، فإذا قلنا إن العامية المصرية أخذت تشيع في أحاديث المصريين منذ القرن السادس الهجري حتى في ألسنة أعلام الفصحى من أمثال ابن بري لم نكن مغالين ولا مبالغين.