فهرس الكتاب
انتقلت إليها رياسة المالكية بعد وفاة إمام المذهب في سنة 179 (795) ، فأصبح المرجع فيه إلى ثلاثة من الفقهاء المصريين هم عبد الرحمن بن القاسم العُتَقِيّ (ت191) ، يليه عبد الله ابن وهب (ت197) ، وأشهب بن عبد العزيز (ت204) ، وكان ابن القاسم هو أقوم هؤلاء على المذهب، فعليه تلمذ يحيى بن يحيى الليثي القرطبي وعبد السلام بن سعيد المعروف بسحنون قاضي القيروان ( ت240/ 854) وإليهما يرجع الفضل في ترسيخ المذهب المالكي في الأندلس وإفريقية . فالأول كان صاحب الفضل الأكبر في نشر موطأ مالك وإليه كان المرجع في اختيار القضاة، والثاني هو جامع"المدونة الكبرى"من سماع ابن القاسم، وكان لهذا الكتاب مكانة كبرى لدى متفقهة المغرب والأندلس.
... وقد قيل في تعليل غلبة مذهب الإمام مالك على أهل الأندلس إن الدولة هي التي فرضته فرضًا عليهم (1) . ولكن الذي تبين لنا هو أن هذا الحكم مبالغ فيه بدرجة كبيرة، وإنما كان قبول المذهب المالكي استجابة تلقائية من الشعب الأندلسي (2) . وعلى كل حال فإننا نرى كيف استطاع الأندلسيون تمثل هذا المذهب بسرعة فائقة. فلم يكتفوا بتدارس"الموطأ"واتخاذه أساسًا لحياتهم التشريعية واتباع قضاتهم لأحكامه في أقضيتهم ، بل سرعان ما أصبح هذا الكتاب مُفَجِّرًا لحركة نشيطة من التأليف الأصيل في فروع المذهب. فمنذ أوائل القرن الثالث الهجري يتوالى ظهور كتب يؤلفها أندلسيون في تفصيل ما أجمله"الموطأ"ويستهل هذه الحركة عيسى بن دينار الطليطلي (ت212/ 827) بكتابه"الهداية"ثم يليه عبد الملك ابن حبيب الإلبيري ( ت238/852 )