فهرس الكتاب

الصفحة 2610 من 4462

وهذا يقودنا إلى صفة أخرى راقبتها فيه منذ وعى عقلي وإدراكي وهي حكمته وسعة أفقه التي عرفت عنه منذ صغري.. فكم من طالب مشورة أو نصح هرول إليه مسرعًا عند كل طارئ حتى وإن كان أكبر من والدي عمرًا.

كانت والدتنا تعد لنا الطعام والشراب.. أما هو فكان طعامه لنا القدوة الحسنة في كل مناحي الحياة.. تعلمنا منه الكثير وأكلنا وشربنا على مائدته يومًا بعد يوم.

كانت حياته نفسُها غيرَ عادية.. يتخذ من غرفة نومه مكتبًا ومعتكفًا ومكمن إلهام لا يقرأ ولا يكتب إلا في غرفة نومه.. فتتوالد الأفكار على فراش العبقرية.. بينما الوالدة الكريمة تسهر على راحته وتلبي احتياجاته صغيرها قبل كبيرها في أريحية وسعادة.

كان برغم قوته وصلابته في الحق رقيق القلب لم أعهد منه ظلمًا ولا أذى لأحد، حتى أنه إذا مرض أحد أحبائه أو أصفيائه لا يقوى على زيارته أو رؤيته وهو يتألم.. وإذا باغتت عينيه صورة دامية أشاح بوجهه بعيدًا وقد غشيت وجهه ملامح التأثر والانزعاج.

وعن ريفيته الأصلية فحدث ولا حرج ما زالت حتى وفاته تجري في عروقه الدماء العامرية نسبة إلى قرية بنى عامر مسقط رأسه. استمد منها الأصالة والعراقة والتواضع وتوقير الكبير مهما قل قدره حريصًا على تعاليم دينه وتحكيم شريعته مهما كانت العواقب لا يخاف في الله لومه لائم.

ولكن أبرز صفاته كانت كرمه الزائد فهي الصبغة التي اصطبغت بها حياته كلها فسخاؤه لم يكن فقط سخاء اليد ولكن كان سخيًّا في علمه سخيًّا في أخلاقه ومعاملته الحسنة للناس سخيًّا في فكره وثقافته سخيًّا في اهتمامه بعمله حتى أنه كان سخيًّا في وسامته واهتمامه بأناقته يرتدي هذا ويخلع ذاك ولكن يظل ثوبه المفضل الذي لا يخلعه أبدًا هو الكرم. كرم يرويه ويحكيه ويشهد عليه كل ركن من أركان منزله العامر دائمًا بالزوار من قريب أو صديق.. لقد عم كرمه وجوده الأرجاء حتى صار إبراهيم الترزي بكرمه هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت