فهرس الكتاب
... ولكنَّ"سوق عكاظَ"ذهبتْ بشُهرة كلِّ هذه الأسواق، لأنها أَحْفَلُها جَمْعًا، وأَعلاها شأنًا، وأبعدُها أثرًا .. فهى تُعْقَدُ في موضع قريب من مكة، وفي موعد قريب من موسم الحج، حيث يتجمَّع الحَجِيجُ في هذه السوق الكبرى ، التي تُتِيحُ للغتنا فرصةً كبرى ، لأداءِ دَوْرِها الإعلامىِّ على مَلأٍ من الجموع الحاشدةِ الوافدة من كل فجٍّ عميق في شتَّى أنحاء الجزيرة، فَيَنْشَطُ الرُّواةُ والشعراءُ في إذاعة أنباء القبائل العربية، التي تحرصُ على أن تعِقد - في سوق عكاظ - مجالسَ مُصالحةٍ تَضَعُ فيها أَوْزار حُرُوبِها، ومجالسَ مُحالفةٍ تُعْقَدُ عهودُها بين بعضِ القبائل، ونحوِ ذلك من عهود إجارةٍ للجماعات والأفراد .
... وتحرص القبائلُ العربيةُ أَشَدَّ الحرص على إذاعة ذلك كلِّه في جزيرتهم ، حتى يَعْلَمَه جميعُ مَنْ تلْزَمُهم تَبِعَتُه من أبناء هذه القبائل ، ويَعْلَمَه أبناءُ القبائل الأخرى ، لمِرُاعاتِه، والحِفاظِ عليه .
... كما تحرص القبائلُ كذلك على إذاعة أسماءِ الخارجين عليها، مِن صعاليكها، وفتّاكها، في سوق عكاظ، فَتُعلنُ خَلْعَها لهم ، وتَبَرُّؤَها منهم ، ليَعْلَمَ ذلك سائرُ القبائل !
... وقد كان العرب يُؤْثِرُون الشعر على غيره من فنون القول ؛ لأنه خيرُ ما يُعَبِّرُ عن مشاعرهم ، وخواطرهم ، ولأنه أحفظُ لمآثرِهم ، وأخبارهم ، ولهذا قيل:"الشعرُ ديوانُ العرب".. وهو بإيقاعِه يُتيح سهولة حفظه، فيَذيِعُ على الألسنة، وتتناقَلُه الرُّكبانُ من مكان إلى مكان ، ويَبْقَى ذِكْرُه مُتَداولًا من زمان إلى زمان ! ولهذا كلّه كان الشعرُ الوسيلة الإعلامية ، أو اللسانَ الإعلامىَّ المُفَضَّلَ لدى العرب .
... وقد ارتبط الإعلامُ الشِّعْرىُّ بَحدَثٍ جليل، شَهِدَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام ، وأشادَ به بعد الإسلام ! .