فهرس الكتاب
... قد تبدو هذه أسئلة عبثية أو ساذجة في بعض أوجهها، لكن الإجابة على هذه الأسئلة، بصدق وتجرد، تؤدي بنا إلى القول بأن من العبث والسذاجة أن تدار وسائل إعلامنا بطرق أبعد ما تكون عن مصلحة الأمة، واستشراف مستقبلها بين الأمم . إنَّ من الواضح أن اللغة العربية الفصحى تخنق في معظم وسائل الإعلام المسموعة والمرئية بطريقة تشعر بأن بعض القائمين على هذه الأجهزة على عداوة راسخة مع العربية، إنهم لا يعطونها من الوقت إلا أقل القليل، ولا يمنحونها من البرامج إلا برامج معينة قد لا يكون الإقبال عليها كثيرًا، ولا يبرزونها للجمهور إلا بطريقة منفرة؛ فالبرامج التي تقدم فيها الفصحى سيئة الإخراج والتنفيذ، بعيدة عن هموم الناس ونبض حياتهم اليومية، تلقى فيها اللغة بتكلف ظاهر وتقعر ممجوج. والتمثيليات والمسلسلات العربية التي تعرض بالفصحى ـ ومعظمها تاريخي ـ تمثيليات هزيلة شكلًا ومضمونًا، والانطباع الذي يأخذه المشاهد أو المستمع عنها أنها عنوان للتخلف ، الذي لم يعد مناسبًا لهذا العصر، أما برامج الكثافة العددية من المستمعين والمشاهدين فهي برامج تسرح فيها العامية وتمرح، وتقدم فيها للجمهور على أنها لغة العصر، مع تطعيمها بالألفاظ الدخيلة والجمل المجتلبة من اللغات الأجنبية. ولا يتمثل الإقصاء بالنسبة للغة العربية في قلة البرامج الثقافية الراقية التي ترتفع بالمستوى الفكري والثقافي لدى المشاهدين، وإنما يتعدى ذلك إلى إقصاء العربية من البرامج الثقافية نفسها على قلتها، وذلك بلجوء المثقفين أنفسهم إلى العامية في الحديث والمداولة، ولا يُخفِي كثير من الإعلاميين وكتاب القصة في هذا العصر نفورهم من الفصحى، وانحيازهم إلى العامية بدعوى اقترابها من الجمهور وقدرتها على التعبير بسهولة عن مختلف مناحي الحياة، وتصويرها للواقع ، ولهذا فإن من المؤسف أن نجد من كبار الكتاب والروائيين والصحفيين والسياسيين من إذا تحدثوا في وسائل الإعلام