فهرس الكتاب
وما أن هدأت الثورة العباسية واستقرت الخلافة للعباسيين حتى واصلوا ما بدأه الأمويون من نهضة علمية بلغت أوجها في عصر هارون الرشيد وابنه المأمون (193هـ/809م- 227هـ/842م) . وكانت الدولة العربية في ذلك الوقت قد فاقت في الثروة والمدنية والرفاهية والتقدم العلمي والصناعي كلَّ حدود وصل إليها الرومان والفرس بمراحل كبيرة . ومن شواهد التقدم التكنولوجي في ذلك الوقت ما بلغته بعض الصناعات من دقة وشهرة، فقد بلغت صناعة الزجاج في سوريةَ شأوًا عظيمًا، وابتُدع فيها الزجاج الملون والمطليُّ بالميناء. وقد دخل ذلك الزجاج لأول مرة أوربا مع الصليبيين العائدين من الشرق. كذلك تطورت صناعة الورق في سمرقند فبلغت درجة رفيعة من الدقة والامتياز. وظلت سورية وسمرقند مركزي تصدير هاتين السلعتين إلى العالم منذ ذلك الوقت لسنين طويلةٍ . وفي صناعة التعدين والمناجم اشتهرت سورية والبحرين، وخراسان، ونيسابور، والسند، وأصفهان، وفَرغانَة من أرجاء الإمبراطورية الواسعة. فكانت سوريةُ مركزًا لمحاجر الرخام ومناجمِ الكِبريت، كما كانت أصفهان مركزًا لاستخراج خام الأنتيمون، وفرغانةُ مركزًا لمناجم الزئبق واستخراج رواسب القار. أما الذهب والفضة اللذان كانت ترفل زينتهما الإمبراطورية، وتُصنع منهما الصحاف والأواني والعملةُ، وترصَّع بهما السيوف وتُوشَّى الملابس، فكان مركزهما الأكبر في خراسان. وأما الأحجار الكريمة كالياقوت والفيروز واللازوردِ فكانت تستخرج من نيسابور ومن ورَاء نهر جيحون .