فهرس الكتاب
وكانت قرطبة حاضرةَ ملكه وزهرةَ الدنيا في ذلك الزمان، تزدان في مجال الهندسة الإنشائية بالقصور والمساجدِ والمدارس التي يفوق وصف المؤرخين لعظمتها وبهائها ما يتصوره الإنسان المعاصر عن ذلك الزمان. فكان في قرطبةَ وحدَها 700 مسجد بما فيها مسجد قرطبة الكبير الذي ابتُكر فيه نظامٌ للأعمدة لا يحجب نظر أي مصلٍّ فيه عن أن يرى الإمام على المنبر أدنى المحراب (وهو نظام في الأعمدة والمقاعد أخذت عنه الهندسة المعمارية بعد ذلك في الأبهاء الكبرى) .
وكان في قرطبة كذلك 300 حمامٍ عام مزودةٍ بوسائل الراحة والشروط الصحية، وذلك في الوقت الذي كان الأوربيون يعدون الاستحمامَ عادةً غيرَ مستحبة.
وفي مجال الهندسة المدنية كان يشق العاصمة مئةُ ميلٍ من الطرق المعبدة المضاءة بالليل؛ وهذا - على حد قول أنتوني ناتنج في كتابه:"العرب"الصادر في عام 1964 -"تقدمٌ لم تحرزه لندنُ وباريسُ إلا بعد سبعةِ قرون"وكان بالمدينة سبعون مكتبةً عامةً وصل عدد الكتب فيها في زمن الحَكم بن عبد الرحمن الناصر 400.000 كتابٍ. ويقول رينارت دوزي: إنه"لم تكن هناك أميةٌ تقريبًا (بين سكان قرطبة الذي بَلغَ تعدادُهم 800.000نسمة) وكاد أن يكون كل واحد منهم يمكنه القراءة والكتابة". ويضيف إلى ذلك ناتنج أن"هذا في الوقت الذي كانت فيه القراءةُ والكتابة في أوربا المسيحية مقصورة على الكهنة وقلةٍ قليلة من المحترفين".
ومن دلائل ما بلغته إسبانيا العربية من حضارة مبنية على النهضة العلمية في عهد عبد الرحمن وابنهِ الحكم الرقيُّ الفائق في عدد من الصناعات اشتهرت فيها كصناعات النسيج، والجلود، والزجاج، والخزف، كما ارتقت صناعات تعدين الذهب، والفضة، والحديد، والزئبق.