فهرس الكتاب

الصفحة 2761 من 4462

في نفسه. وإذا استعرضنا تاريخ اللغات التي ازدهرت في حضارات مختلف الأمم، نجدها تساير الأدوار التاريخية للأمم الناطقة بها. وهذا يعني أنه لا وجود للغات عاجزة، من حيث نظمها وصرفها ونطقها، عن استيعاب حصيلة ما وصل إليه الإنسان في الآداب والفنون والعلوم. وإنما العجز يكمن في تفاوت قدرات تلك الشعوب والأمم، على استيعاب المعارف الإنسانية والمشاركة المبدعة في رفد هذا النهر العظيم المتمثل بالحضارة الإنسانية في كل مجالات الثقافة والعلوم والآداب والفنون . وإن قيمة الأمم والشعوب تتجلى بقيمة ذلك الرافد الذي تَمُدُّ به هذا النهر العظيم ، حيث منابعه الأولى شحيحة شح الإنسان البدائي وقدراته. وهي قديمة قدم الإنسان. ويتعاظم هذا النهر الكبير في مجراه، بتعاظم روافد الأمم ، وما تمده به من ألوان الإبداع الحضاري، بلغاتها المختلفة.فالحضارة ليست ملكًا لأمةٍ من الأمم ولا حكرًا على لغةٍ من اللغات، ولكنها حصيلة ما وصل إليه الإنسان في مختلف العلوم والفنون والآداب ..

... وفي هذه المسيرة التاريخية، ازدهرت لغات بازدهار الأمم الناطقة بها، واختفت لغات بانهيار تلك الأمم . فقد اختفت بعض اللغات من الوجود، واختفى بعضها من الاستعمال. وتشعب بعضها إلى لغات مختلفة بتمازجها بلغات شعوب أخرى ، انضوت تحت هيمنتها السياسية والثقافية، كما حدث مثلًا للغة اللاتينية. فقد انحلَّت اللاتينية إلى لغات مختلفة، مثل: الفرنسية، والإسبانية، والرومانية، والبرتغالية، والإيطالية الحديثة … وإن قانون التفكك والانحلال والاختفاء استعمالًا أو وجودًا، هو القانون الذي يسيطر على جميع لغات البشر . وكانت العربية في جذورها القديمة لغة من هذه اللغات التي يصدق عليها قانون التفكك والتشعب في مسيرتها، حتى نزول القرآن الكريم بلغة عربية مبينة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت