فهرس الكتاب
... والواقع الذي نلمسه في لغتنا أنها لم تتحرج في الأخذ عن غيرها، والكلمات الوافدة تعرف اللغة العربية كيف تستوعبها، ولقد حاول علماؤنا منذ القديم اللجوء إلى ما هو متاح من وسائل الصرف والاشتقاق والنحت والاستعارة: وإذا أعوزتهم الحيلة عرَّبوا. أما التراث اللغوي فمن الصعوبة استسهال التصرف فيه على غرار ما فعل الأوربيون مع تراث اللغتين اليونانية واللاتينية الميتتين. فتراثنا، رغم القرون السالفة، ما يزال حيًّا في وجداننا بلفظه وبمفاهيمه، وما يتطلبه المصطلح من تخصيص وشفافية في التدليل يتعارض مع ألفاظ التراث التي ما تزال تجنح إلى التعبير وإلى الإبداع، مما يؤدي بحكم التاريخ والمجاز إلى تعدد الدلالة، وتعدد الدلالة في الألفاظ عملية غير اصطلاحية؛ لأن تحديد المفهوم فيها يرتبط بالسياق وليس بالميدان التخصصي الذي تندرج فيه، من هنا كان التعامل مع الألفاظ التراثية صعبًا، فمما يروج في صحافتنا العربية حاليًّا وبإلحاح مصطلحات مثل: إرهاب، أصولية، صحوة، إسلامي… إلخ، لها مفاهيم قدحية عند الغرب ونحن ننقلها أحيانًا بظلالها العنصرية دون احتراز، وهناك مصطلحات ترجمت إلى العربية على عجل وشاعت، مع أن لها مفهومًا خاصًّا في الثقافة الإسلامية مثل: (استنساخ) المأخوذة عن (clonage) : والمصطلح علمي يشير إلى هذه التجربة التي تمت على حيوان ثديي (نعجة) استخرج منه العلماء حيوانًا مماثلًا انطلاقًا من خلية له ناضجة (نعجة أخرى سموها دولِّي) ، وقد أثارت عملية"الاستنساخ"الحيواني زوبعة من الردود السلبية والإيجابية خوفًا من أن تمتد العملية إلى الإنسان… لكن المصطلح قُبِل دون اعتراض، مع أن مادة"نسخ"ومزيدها"استنسخ"لا تعني"المماثلة"وإنما حسب المعجم تعني"الإزالة والإبطال والمسخ"وقد كان شيوخنا يطلقون على نسخ العقود مصطلحًا آخر هو"النظير" (الأصل ونظيره) للابتعاد عن معنى"الإبطال"الذي يوحي بها مدلول"النسخ".