فهرس الكتاب
وهذا التأثير الثقافي المتبادل ظاهر واضح أيضًا فيما يتعلق بالثقافتين العربية والفارسية. نعم، بذل الفرس جهودًا جبارة عميقة في خدمة العربية وعلومها والإسلام ومعارفه. هذا صحيح، ولكن هذا الذي قدمه الفرس من خدمة للعربية والإسلام لم يكن قبل امتزاجهم بالدعوة الروحية التي انبثقت من قلب الجزيرة العربية. فمن الحق أن يقال على ما يرى العقاد إن الجو العلمي الجديد الذي أحاط بهم بعد قيام الدولة العربية الإسلامية كان له فضل محدود ينسب إلى تلك الدولة، إذ لم تكن لهم في إبان مجدهم القديم فضيلة على العنصر العربي في الدراسات النظرية بها، أضف إلى هذا أن هؤلاء الفرس قد أفادوا من الثقافة العربية إفادة مستمرة حتى يومنا هذا، كما يظهر ذلك مثلًا في نظام الكتابة وتعرفهم أوزان الشعر العربي وموسيقاه .
ومازال لنظام الكتابة العربية أثر واضح في بلاد أخرى ، كما يظهر ذلك في كتابة اللغة الأوردية في باكستان بهذا النظام حتى الآن ، وقد كان هذا النظام سائدًا ومأخوذًا به في كتابة اللغة التركية حتى جاء كمال أتاتورك واستبدل به الكتابة اللاتينية سنة 1927م ومعلوم للكافة أن هذه اللغات الثلاث محشوة بالألفاظ والمصطلحات العربية والإسلامية التي زودتهم وأمدتهم بمفاهيم إنسانية جليلة .
فإذا ما انتقلنا إلى الجانب المادي من الثقافة لتأكد لنا أن الأوربيين وغيرهم اقتبسوا ما وسعهم الاقتباس من طراز البناء العربي متفرقًا في القصور والقلاع والأماكن المنتشرة هنا وهناك في شتى البقاع والأصقاع.