فهرس الكتاب
اللغة العربية والمصطلحات العلمية
في التعبير عن فكر ابن الهيثم (*)
للأستاذ الدكتور عبد الكريم خليفة
أيها السادة العلماء:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد واجهت اللغة العربية تحديًا لذاتها منذ اختارها الله - سبحانه وتعالى-لأن تكون لغة الوحي الإلهي، وصارت لغة التعبير عن حضارة عربية إسلامية، حضنتها دار الخلافة منذ صدر الإسلام والعصر الأموي، والعصور العباسية على امتدادها في الزمان والمكان. وأفرزت هذه الحضارة علماء مشهورين في مختلف مجالات المعرفة. وبدأت حركة الترجمة والنقل إلى العربية منذ وقتٍ مبكر. وكانت أكثر الكتب التي نقلت إلى العربية عن أصولٍ يونانية. وأفادت حركة الترجمة الواسعة من تراث الأمم الأخرى. فنقلت أيضًا عن اللغات الفارسية والسريانية والهندية..
وكذلك عن اللغة اللاتينية، مع تفاوتٍ كبير في درجة الاهتمام، وهذا واضح في قلة النصوص العربية التي وصلتنا مترجمة عن هذه اللغات الأخيرة لاسيما اللاتينية. وبلغت حركة الترجمة والتأليف ذروتها في القرنين الرابع والخامس الهجريين. ونجد أنفسنا أمام لغةٍ علمية عربية قد أصبحت في هذين القرنين لغة العلم الأولى، في جميع مجالاته وفروعه، في مراكز الإشعاع العلمي والثقافي: في بغداد والبصرة ونيسابور وأصفهان وجرجان وزنجان وشيراز ومور والري وبلخ وحلب ودمشق والقاهرة والقيروان وبجاية وتلمسان وفاس وقرطبة وأشبيلية وغيرها من المدن، من أقصى المشرق، على تخوم الصين إلى أقصى المغرب،على تخوم أوربا... وكانت العربية لغة
هؤلاء العلماء الأفذاذ في دار الإسلام، على اختلاف شعوبهم ومذاهبهم بل وعقائدهم ولغاتهم، قدّموا بها معارفهم وأبدعوا بها نظرياتهم بكل دقةٍ ووضوح. ولجأت جماعة منهم في القرن الرابع الهجري، أطلقت على نفسها اسم"إخوان الصفا وخلان الوفا"إلى تقديم علوم الأوائل بمصطلحاتها ومناهجها إلى عامة المثقفين، بلغة عربية صحيحة ودقيقة وواضحة.