لقد استطاع ابن الهيثم، ومشاهير العلماء العرب والمسلمين الذين عاصرهم، والذين سبقوه، أن يرتقوا بالعربية كي تصبح لغة للتعبير عن حصيلة ما وصلت إليه المعرفة الإنسانية. وأن تصبح من خلال مصنفاتهم التي يصعب إحصاؤها لأن تكون لغة العلم والبحث العلمي في جميع مجالات المعرفة، بعد أن كانت لغة الآداب والفنون والحياة العامة. وقد ترك العلماء العرب والمسلمون، ومنهم ابن الهيثم، أحد مشاهير الرياضيين، والعالم المبدع بالطبيعيات، آثارًا مميزة في تطور اللغة العربية العلمية، للتعبير عن الفكر العلمي. فكانت إسهاماتهم رائعة في صياغة"المصطلحات"والتعابير العلمية وتحديد معانيها في ميادين المعرفة. ومن الواضح أنه كان إلى جانب بعض الألفاظ الأعجمية المعرَّبة، كانت القاعدة العامة، تتجه إلى وضع هذه المصطلحات وصياغتها من نسيج العربية الفصيحة. وذلك عن طريق الاشتقاق والمجاز والنحت، والنقل من معنى محدَّد للدلالة على معنى آخر. وحققت العربية في هذين القرنين الرابع والخامس لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أدقَّ الخصائص لِلُّغة العلمية، سهولة ألفاظ وبساطة تراكيب ووضوح معانٍ، إلى جانب الدقة في التعبير عن الحقائق العلمية.
هذه هي اللغة العلمية التي عرفتها العربية في مؤلفات ابن الهيثم التي تربو على المئة مصنف. وقد ترجم بعضها إلى عدة لغاتٍ قديمًا وحديثًا. فترجمت مثلًا"مقالة في هيئة العالم"، ثلاث مراتٍ إلى اللاتينية. وكان لابن الهيثم تأثير كبير فيما بعد في ابن رشد والقزويني وكذلك في المؤلفين الغربيين (*) ومن المعروف أيضًا أن كتاب"المناظر"لابن الهيثم، ترجم إلى اللاتينية،ونشر في (Basle) سنة 1572م. وكان له تأثير كبير في فكر العلماء الغربيين. وإن الوثائق المتوافرة بين أيدينا تثبت أن اللغة العربية كانت لغة المصادر العلمية الأولى في أوربا على مدى القرنين