فهرس الكتاب

الصفحة 3246 من 4462

سلامة الترجمة ودقة استيعابها شرطان

فيما يرجى من تأثير وتأثر بين الشعوب ومختلف الثقافات (*)

للأستاذ علي رجب المدني

لا جدال في أن تلاقح الثقافات وتنافسها على إرساء أسس الحضارة الإنسانية الأكثر قربًا من الكمال والمثالية، إنما يمثل كل ذلك هدفًا ساميًا لكل الرسالات السماوية التي أمد الله بها رسله منذ النشأة الأولى.

وقد لخص الله تعالى في القرآن الكريم هذا الهدف الأسمى في الآية 13 من سورة (الحجرات) عندما قال:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". وواضح من سياق هذه الآية أنها تشير إلى وحدة الأصل (من أب واحد وأم واحدة) مما أدى إلى انتشار ذرية هذين الأبوين انتشارًا له أعدت ساحة كوكب الأرض لاستقبال أفواجها، على النحو الذي أدى بطبيعته إلى نشوء لهجات وأساليب نطق تختلف

عن اللغة الأم التي نزل بها الأبوان باعتبارها لسان الخالق عز وجل في كل أوجه خطابه ومخاطبيه (وتلك هي العربية) .

ولقد كان من أثر التوالد والانتشار المذهلين أن تحولت الأسرة الواحدة إلى مجموعات سماها الله (شعوبًا وقبائل) تفصل بينها المسافات التي سبق في علمه تعالى أنها - أي المسافات- لن تلبث أن تتقلص وتنكمش بما يهدي إليه فئات من خلقه من مخترعات ومستحدثات كالذي نشاهده الآن من وسائل التواصل التي ساعدت على إبراز معجزة التعارف منذ أخذ نطاقه يتسع في تسارع لم تعرف له البشرية مثيلًا في ساحق عصورها.

وهنا يتعين السجود عرفانًا بإعجاز الله فيما أنبأنا به منذ ما يزيد

على أربعة عشر قرنًا من تحقق هذا التعارف بنسبة متقدمة مهدت للوصول إلى حده الأقصى الذي يؤمل الوصول إليه من خلال ما تدفع إليه أشواق الأخوة وحب السلام، والعودة إلى حضن الأسرة الواحدة الذي استقبل الفوج الأول من بني آدم وحواء منذ آلاف السنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت