تأثير النظريات العلمية اللغوية المتبادل
بين الشرق والغرب: إيجابياته وسلبياته (*)
للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح
إن التأثير الحضاري وخاصة الثقافي منه هو ظاهرة طبيعية نشأت مع نشوء الحضارات المتتالية وبحكم اتصال الشعوب منذ أقدم العصور في أشكال متنوعة سلمية وغير سلمية. والتأثير المتبادل بين الثقافات الأجنبية والثقافة العربية قد حصل من أول وهلة في الطرف الغربي من العاهلية الإسلامية: بين أوربا وصقلية والأندلس خاصة. والذي اخترناه في هذا البحث من هذا التأثير هو ميدان النظريات اللغوية وهو ميدان أعتقد أنه لم يُستقص فيه البحث؛ إذ لا يزال يسوده غموض كبير سواء فيما يخص التأثير اليوناني أو الهندي على العرب أم تأثير العرب على الغرب. وذلك لأن هذا البحث يحتاج فيه صاحبه أن ينظر في جميع ما ألف من دراسات في اللغات وفي نحو هذه اللغات أو
فلسفتها في القرون الوسطى وفي بداية النهضة الأوربية حتى القرن التاسع عشر. وفي الوقت نفسه أن يُحصي جميع ما نقل من العربية إلى اللاتينية من كتب النحو العربي وكتب الفلسفة العربية التي عالجت كل أو بعض ما يخص اللغات. وهذا عمل كبير جدًّا لم يخض فيه الباحثون بعد إلا القليل. وقد كثرت الأقوال الجازمة وغير المنصفة عن حصول تأثير المنطق اليوناني على النحو العربي دون الدراسات المطولة الموضوعية وفي مقابل هذا لا نجد أحدًا تطرق إلى تأثير النحو العربي - من حيث المفاهيم ومنهج التحليل - على النظريات اللغوية الغربية قديمًا وحديثًا، وربما لا يتصور هذا أحد من المستشرقين. ومع ذلك فهناك نصوص كثيرة وشهادات موضوعية