أثبت العلماء الألمان في القرن التاسع عشر ثم سوسور ونظراؤه أن الظواهر اللغوية كأي ظواهر يمكن أن تدرس دراسة علمية موضوعية، وأن الألسنة البشرية مثل كل الظواهر تتحول من حال إلى حال عبر الزمان حتى تصير ألسنة أخرى، وأن لهذه التحولات الزمانية قوانين صارمة، ثم أثبتوا بعد ذلك أن الألسنة يجب أن تدرس أيضًا في حد ذاتها، أي من حيث هي أدوات للاتصال والتبليغ، وأن لكل واحد منها نظامًا من الرموز الصوتية خاصًّا بها، ونظامًا من الدوال المفردة والمركبة يجب أن يحلل تحليلًا موضوعيًّا لا لغرض التعليم بل من أجل اكتشاف أوصافه وخصائصه. فتبين للناس حينئذٍ أن دراسة اللغات ليس الغرض منها بالضرورة اكتساب القدرة على استعمالها بل أيضًا الكشف عن أسرارها في ذاتها. وكثرت - على هذا - الدراسات والبحوث في أكثر اللغات البشرية من حيث هي ظواهر تستحق الدراسة العلمية لا لغرض آخر غير تحصيل العلم النظري لا المهارة فقط وذلك بالتحليل الدقيق الخاضع لمقاييس معينة. فهذا كله إيجابي جدًّا على الرغم من المذاهب الكثيرة المتشعبة التي ظهرت بعد سوسور في كيفية تناول هذه الدراسة العلمية واشتد الاختلاف فيها بسبب اختلاف التصور لماهية اللغة: هل يبنى التحليل كله على كون اللغة أداة تبليغ أو هناك أوصاف أخرى للغة عميقة لا يمكن أن يتغافل عنها؟ وهل يجوز لنا أن نكتفي بالوصف لنظامها الباطني؟ بل هل هذا النظام هو مجرد نظام تقابل بين الوحدات؟ وألا يجب أن نعتد بمعيار اللغة كظاهرة وكآلية اجتماعية ينتظم عليها استعمالها إذ لا توجد لغة في الدنيا دون معيار معين؟ وغير ذلك. فكل هذا مفيد لأنه سيؤدي بنا إلى تصور موضوعي للغة. ولكل هذا أيضًا تطبيقات كثيرة في ميدان تعليم اللغات وأمراض الكلام والعلاج الآلي للغة.