ولم يخب ظني، فإذا بي أدخل المجمع يوم استقباله محمولًا على محفة علمه، مزهوًا وكأنني انتخبت معه، حتى إذا رأيت ذلك الحشد المهيب من أساطين اللغة قلت في نفسي- مخاطبًا أستاذ العربية في المرحلة الإعدادية-"عفوًا أستاذي، بل هم ذوو الرؤوس الذهبية، فالرأس بما وعى وليس كما بدا".
وإذا بي أحمد الله كما كان يحب أن يحمده أبي"اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك"فالحق أن الحق قد حباني بنعمة أن أكون ابنًا لعلي الحديدي، نعمة ما استطعت حتى الآن- وما أظنني أستطيع- أن أحصيها أو أن أقابلها شكرًا. فقلما يولد امرؤ فيجد أبًا مثله. لقد أرضعتنا أمنا وقام هو بالفطام، وكان فطامه لنا حبًّا وعلمًا وخلقًا حميدًا، فلم أرَ مثله محبًّا لأسرته، مضحيًا بكل غالٍ ونفيس من أجلها، وكان حبه لنا لا يقف عند الكلمة الطيبة والنظرة الحانية ولكنه كان يتخلل إلى أنفسنا، فكأنما يقرأ مكنون صدورنا ويكشف حاجتنا فيلبيها كما يلبي النور العيون.
عندما رأى علي الحديدي قسوة الغربة في عيون ولديه، لم يعيه اتخاذ القرار بالعودة إلى مصر تاركًا وراءه مغريات المال والمنصب. فهل يغنيه المال عن راحة البال؟ وهل يداوي المنصب أمراض الغربة؟ وجاء الرد واضحًا وكان فعله قاطعًا.