فهرس الكتاب

الصفحة 3419 من 4462

لم يكن علي الحديدي أستاذًا في العربية وحسب، ولكنه كان أستاذًا في الحب. كان يحبنا وفي ذات الوقت يعلمنا كيف نحب، وكان حبه نهرًا فراتًا يتلون طعمه حسب الطاعم فللزوجة طعم المودة والرحمة والأمن، وللأبناء طعم العطف والقدوة والعطاء، وللأخ طعم التلاحم والتكاتف، وللصديق طعم الصدق والمروءة، وللناس طعم الكلمة الطيبة والوجه الصبوح، وللكل الكرم، فكان سخيًّا في ابتسامته، سخيًّا في علمه، سخيًّا في عطائه. وهكذا تضلع الكل من نهر حبه فأحبه الكل. ومازال وحي كلماته يتبادر إليَّ من موقف لآخر فكان يوصيني- جزاه الله عنا خيرًا- بقوله"الكلمة الطيبة تلين الحديد، والابتسامة مفتاح لكل باب".

وعندما كنت أنطق كلماتي الأولى كان يرغبني في ترديد الأذان كلما ارتفع صوت المؤذن، ورغم أني كنت أنطق أنصاف كلمات، إلا أنها كانت تقع منه موقعًا عظيمًا، فأراد الله أن يكافئه فكان ترديد الأذان خلف المؤذن آخر كلماته في الدنيا.

وكما كان النيل يفيض بالخير كان علي الحديدي يفيض علينا بالحب. وعرف العالم الجليل والفلاح الأصيل كيف يغرس فينا بذور العلم والمعرفة فكان يشعرنا أن العلم صلاة وجعل من بيتنا محرابًا للعلم، ولم يكن يكفيه- رحمه الله- أن يرى ولديه طالبي علم وكفى، بل أراد أن نتذوق حلاوة السعي وراءه والمثابرة في كسبه، بل والتميز فيه، فشجعنا على الدراسة العليا، وجعل من علمه وخبرته وماله بسطًا نمشي عليها لندرك غايتنا. وكم شكيت له عناء البحث وطول أمده ووعثاء سبيله، وما إن أنتهي من شكواي حتى أرى شهوة العلم في عينيه، فإذا هي تشعل في نار السعي من جديد.

ولن أنسى ما حييت دقات قلبه الطاهر التي رج لها جسدي رجًّا، وهو يضمني مهنئًا عند حصولي على درجة الماجستير، ولا عبرات الفرحة التي انهمرت من عينية الكريمتين فروت ظمأ سنين البحث في لحظات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت