فهرس الكتاب

الصفحة 3420 من 4462

ولما كان غرس علي الحديدي علمًا وماؤه حبًّا، فما إن رأى زرعه يكبر أمام عينيه إلا ورعاه بالحكمة، وشذبه بحسن الخلق.

وكان جل ما أكرمه به ربه الحكمة البالغة، والبصيرة النافذة، فكان له لكل مقام مقال، ولكل عقل خطاب، ولكل سؤال جواب.

كان يستعين على الشدائد بالصبر، فإذا اشتد الكرب أيقن بالفرج، فلطالما ردد أمامي:

"ضاقت فلما استحكمت حلقاتُها"

فرجت وكنت أظنها لا تُفرج""

وكان إذا قدر عَفَا وغفر، وإذا سألته يذكر قول الله تعالى"ألا تحبون أن يغفر الله لكم"

وكان لحكمته الجمة مقصدًا من الجميع، الكبير والصغير، القريب والبعيد، الكل ينشد فيه الرأي الصائب والنظر الثاقب.

والحق أني كنت أحار من أمر حكمته وأقول لنفسي:"أنى يكون لي معشارها؟"وكنت أعمد أن أناقشه أو حتى أجادله علني استسقي من حكمته شيئًا، فما أظنني نلت إلا غرفة بيدي، وإذا حزبني أمر هرعت إليه أطلب مشورته، وإذا بالأمر يتلاشى أمام عيني، وينصرف عقلي تلقاء ما يقول، حتى أكاد أنسى ما جئته من أجله.

ولأن علي الحديدي ورث عن أبويه جميل الخلق، وعرف قدر ذلك الميراث، أبى إلا أن يمتد الميراث جيلًا بعد جيل، كان الصدق قوله، والتواضع شأنه، والأمانة رسالته، والمروءة فعله، والإقدام شيمته.

وكانت أخلاقه الكريمة تتراءى لنا كألوان زاهية ترسم لوحة خلابة لا يمل الناظر إليها أبدًا، لوحة أحاطها إطار من رقة القلب ونبل المشاعر فكان إذا سمع بكاء طفل انفطر قلبه حتى إنه يكاد يوبخ والديه. وكنت في صباي إذا قطعت حبل أفكاره بسؤال أو تعليق ساذج لم ينهرني أو يلمني بل كان يقول في ابتسامة نقية"ويل للشجي من الخلي".

هكذا كان علي الحديدي، أيها الحضور الكرام، أو هكذا كان بعض علي الحديدي، فما أظنني على مدى ثلاثين عامًا قد أحطت بها خُبرًا.

رحمك الله يا أبي، فبفضلك عرفنا كيف نرفع هامتنا بين الناس وبفضلك عرفنا كيف نخفضها أمام الله، رحمك الله يا أبي عشت عليًّا ومت أبيًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت