فهرس الكتاب
يتراءى لبعض الحُرَّاص على صفاء اللغة العربية وخلوِّها من كل شائبة فيها شبهة عُجمة أن واجبهم يقتضيهم التصدي بلا هوادة لممارسة تعريب الألفاظ الأجنبية . وهم يعتقدون أن علماء العلوم الطبيعية والتكنولوجيا يسرفون في التعريب إلى درجة تشوه جمال اللغة وتعكِّر صفاءها . وبعض هؤلاء"الصفاويين"- كما سماهم قطب معاصر من المشتغلين بتعريب العلوم الطبيعية والتكنولوجية - يرون أن في ممارسة التعريب في العربية العلمية نوعًا من العجز عن استنباط كلام مناسب للمعنى المراد من متن العربية أو من تراثها العلمي ؛ أو يرونه عجزًا عن ترجمة صريحة للمصطلح الأجنبي بما يصلح أن يكون مصطلحًا عربي النِّجار . وما علم السادة الصفاويون أنهم بإنكارهم التعريب ، عندما يقتضي الأمر ذلك ، إنما يضعون العراقيل في طريق تطوّر اللغة العربية وازدهارها وقدرتها على الوفاء
بمطالب العصر ومواكبة الحضارة من حيث لا يريدون ذلك .
ولقد قيل: إن أية لغة لا تدخلها ألفاظ أجنبية لا تعد لغة حية متطورة آخذة طريقها نحو العالمية ومواكبة التقدم الحضاري . فالعربية نفسها إبَّان النهضة العلمية الإسلامية الكبرى في العصور الوسطى رفدت اللغات الأوربية بألفاظ كثيرة وبخاصة في عهد الترجمة من العربية إلى اللاتينية قبيل عصر النهضة الأوربية. والنظر إلى المعاجم الفرنسية مثلًا يوضح أنها تضم آلافًا من الكلمات الدخيلة منها 700 كلمة على الأقل أصلها عربي . والمعاجم الإنجليزية بها ألف كلمة على الأقل أصلها عربي ، منها 360 كلمة شاعت في الحياة العامة للناطقين بالإنجليزية . وليست العربية أقل شأنًا في هذا المضمار منذ القدم ؛ ورحم الله الشهابَ الخفاجيَّ صاحبَ"شرح درَّة الغواص"في القرن الحادي عشر الهجري، الذي قال"لو اقتصر السابقون في كلامهم على الألفاظ التي استعملها العرب العاربة والمستعربة فقط ، لعسر التكلم بالعربية على من بعدهم".