فهرس الكتاب
إن الناظر إلى تاريخ مجمعنا لا يملك إلا تسجيل الإعجاب من قدر النجاحات التي أحرزها فيما مضى من عمره، ولست مبالغًا إذا قلت إن نجاح مجمعنا فاق نجاح الأكاديمية الفرنسية التي تكبره في العمر بثلاثة قرون، وقد تحقق هذا بفضل سيطرة الفكرة المجمعية على أغلب مَنْ اختيروا أو انتخبوا لعضوية هذا المجمع، وقد شرف بعضوية هذا المجمع من المصرين مئة وأربعة وخمسون يكتملون بزمرة هذا العام إلى مئة وثمانية وستين، وقد كان إيمانهم العميق وعقلهم المتفتح وخبراتهم العريضة تحدوهم إلى بذل جهد ناضج ودؤوب وذكي من أجل أهداف سامية، وهكذا ألفينا مجمعنا وقد انتزع لنفسه مكانات متعددة فأصبح متمتعًا بسلطات التحكيم والإفتاء، فضلًا عن التشريع والقضاء والوضع، وبجهده تبلور أول عمل جماعي في تاريخ اللغة العربية، وأول معجم وسيط، وأصبح أول هيئة علمية تتمتع بكل ما يتمتع به من مرجعية ومصداقية، وقد صاغ وسوغ فكرة الاجتهاد في علوم اللغة على نحو لم يتيسر بعد للاجتهاد في علوم التشريع، ووضع للاجتهاد الأطر الكفيلة بمأسسته وبنزع الطابع الفردي عنه، كما انتبه المجمعيون إلى مسؤوليتهم عن كشف طاقات اللغة المبدعة، وإلى مسؤوليتهم عن تطويع هذه الطاقات من أجل الغايات التي لا تفتأ تتكأكأ على اللغات، وشغل المجمع نفسه بتيسير الكتابة حتى نجح في اختصار صندوق الطباعة، ثم جاء عصر المعلومات فأفاد من جهود المجمع ووظفها لنجاحات أسرع، لكنه في الوقت ذاته خلق أفقًا جديدًا لتطوير توظيف اللغة، وارتاد المجمع مناطق قديمة من صعوبات قواعد اللغة كجنس العدد وتيسير الإعراب، ومع أنه لم ينته إلى صورة محددة للتجديد فقد وفر من الدرس اللغوي ما هو كفيل بهدايتنا في مستقبل قريب إلى ابتداع الحلول الذكية.