فهرس الكتاب
ولست من الذين يزعجهم تفشي العامية في لغة التخاطب اليومية، ولا في وسائل الإعلام، بل أظنني أرى وصول هذا التفشي إلى هذا المنحدر الذي وصل إليه علامة ذات جدوى في تنبيه مجتمعاتنا العربية إلى خطورة ما استنامت له، ولعلكم بدأتم ترون الفضائيات الفصحى وهي تتمتع بتفوق ساحق على تلك الفضائيات التي تبنت اللهجات المحلية ومن حسن الحظ أن القرن الجديد لا يعطي لأنصار التفتت إلا الفتات، بينما يعطي لأنصار التوحد كل شيء، أقول كل شيء ولا أكتفي بأن أقول يعطيهم الجزء الساحق، على أن هذا لا يعفي مجمعنا - في رأيي - من أن يسارع ويمارس سلطته في أن يمنح تقديره من خلال جوائز مؤسسية لكل من يتفوق في التزام الفصحى فردًا أو جماعة أو مؤسسة أو إذاعة أو قناة أو صحيفة.
وبهذا ندفع الجميع وهم يتسابقون إلى الحرص على قيم عليا وقيم فصحى في الوقت ذاته، ومع هذا فإني بطبعي كطبيب أعود لأكرر اقتناعي بما أثبته علم فقه اللغة من أن اختلاف لغة الكتابة عن لغة التخاطب ليس أمرًا شاذًّا حتى نتلمس علاجًا له، بل هو السنة الطبيعية في اللغات جميعًا.
ولهذا فإني أرجو أن ننظر للعامية على أنها ابنة من بنات العربية حتى لو ضلت، ولنتذكر أن الصواب في اللغة مناطه الشيوع كما قال محمود تيمور فغلبة اللفظ في الاستعمال أسطع برهان على صلاحيته وأقوم دليل على صدق الحاجة إليه.
بيد أني مع هذا أرجو أن نعنى بأبجديتنا المكتوبة عناية تمكنها من استيعاب الفصحى، ويكفيني في هذا أن أشير إلى رأي سلفي المجمعي العظيم محمد رفعت فتح الله القائل بأن الحروف العربية تتدانى من الخمسين!! وقد نشر رأيه هذا في"الأهرام"منذ عام 1936.