فهرس الكتاب
... إن للجغرافيا - ربما دون غيرها من فروع المعرفة - سمات شديدة الخصوصية، فهي العالم كله، ساكنه ومتحركه، هي الأرض بما عليها وبمن عليها، هي اليابس والهواء والماء والأحياء .. تعيش في منظومة فريدة من صنع الخالق، لها موازين العدل التي تديم بقاءها بإذن الله، وتبقى في نظمها السرمدية بأمره تعالى، وتتفاعل فيها العناصر الطبيعية في انضباط رباني خارق، وتعبث بها عقولنا وأفكارنا تحت مقولة النظم البشرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإذا كانت هي كل ذلك، فماذا بقي غيرها؟ إن الجغرافيين يعتمدون على كل هذا الغير من العلوم، إنهم يعترفون بجهلهم إذا لم يعتمدوا على واحد أو أكثر من العلوم الأساسية بكل فروعها وبلا استثناء، ويخطئ من يظن أن الجغرافيا مجرد علم مستقل، كما يخطئ من يظن - بنفس القدر - أنها علم تابع. والمجال والحوار والخلاف محتدم حتى اليوم تحت مظلة الفكر الجغرافي قديمه وحديثه.
وإذا كانت العولمة في حاضرنا الآن وهي تحمل كل عناصر الغزو الثقافي بزعامة الشمال، وتهب عواصفها العاتية علينا بسرعة وإلحاح، وتثور براكينها تزلزل أركان الجنوب، فإن الاجتياح في مَقدمِه العاتي يقابل أول ما يقابل تلك المساحة العربية المتاخمة، ومن ثم فإن خطورتها على مسيرة تعريب المصطلح تصبح طاغية، لأنها موجهة بخبث إلى عقلية الإنسان وتفكيره، ومن ثم فقد أصبحت تهدد خصوصيته وفطرته، وتضعف من عربيته لغة وحضارة. ويزيد الأمر صعوبة وخطورة ثورة المعلومات الكثيفة والمتزايدة كسلعة غالية الثمن، كما أصبحت حكرًا لبعض اللغات، ليس من بينها العربية حتى الآن على الأقل، حتى إن البعض أصبح ينادى بجرأة شديدة بألا ضرورة لمزيد من التعريب للغة العلوم والآداب والفنون وغيرها، متصورين وهمًا أن الأفضل هو متابعة العلم من مصادره وبلغة هذه المصادر، وكل هذا يضعنا في مأزق الملاحقة والتحدي.