لقد أدرك الصديق العزيز، العالم اللغوي الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف، الذي نحتفل اليوم باستقباله عضوًا في مجمع الخالدين، أدرك منذ وقت مبكر أن الركود الذي تعانى منه الدراسات النحوية الآن - رغم ما تقذف به أفواهُ المطابع من عشرات الكتب - يحتاج إلى فتح نافذة في جداره الأصم، حتى تتحرك هذه الدراسات في مجرى يضمن لها السلاسة والاستمرار، ويتيح لها حياة طبيعية، بدلًا من تلك الحياة المصطنعة المُتكَلّفة التي لن يصبر عليها القائمون بالأمر طويلًا.
من هنا، كان انطلاقه في مشروع حياته الكبير، إلى الإسهام في حقل الدراسة اللغوية التحليلية للنصوص الأدبية يقوده حِسٌّ لغوي صحيح، وبَصَرٌ صائب، وذوق أدبي مرهف، إلى الاقتراب من أسرار الكلمة القرآنية والتركيب القرآني، وتهيئه موهبته الشعرية - مبدعًا ومتذوقًا - لرؤية العمل الشعري في ضوء جديد. لم يعد الدرس النحوي - على يديه - يدور أَوْ يحلق في فراغ ، بل لابد - في رأيه - من تعانق النحو مع النص الأدبي، والانطلاق من النحو في تفسير النص الشعري، فالنص لا يمكن أن يَتنصّص - هكذا يقول - إلا بفتل جديلة من البنية النحوية والمفردات، هذه الجديلة هي التي تخلق سياقًا لغويًا خاصًا بالنص نفسه. وعند محاولة فهم أي نص وتحليله، لابد من فهم بنائه النحوي على مستوى الجملة أولًا، وعلى مستوى النص كله ثانيًا. إن مفهوم النحو - عنده - أوسع من المفهوم الذي يحصره في دائرة الإعراب الضيقة، وهو مفهوم يعود به إلى الصيغة التي كان عليها علم العربية عند الأوائل، عندما كان يراد به دومًا النحو واللغة والصرف والاشتقاق والمعاني والبيان والعروض والقافية وقرض الشعر والخط وإنشاء الخطب والرسائل والمحاضرات. ما الذي يعنيه هذا الكلام ؟