فلو اقتصرنا في هذا المقام - نظرًا لضيق الوقت - على أعماله في الميدان اللغوي العام، لأوجزنا الكلام في جملة واحدة: الدكتور الراجحي علم نادر المثال، يرود ويقود ويرشد ويوجّه. ولم يقف هذا وذاك عند فترة من الزمان محدودة، أو موقع من المكان خاص، أو جانب من الدرس اللغوي دون آخر. لقد اتسعت جهوده وامتد فكره إلى مجمل مسارات الدرس اللغوي، في فلسفته واتجاهاته ومناهجه ورجاله على امتداد الزمان المتعاقبةِ خطواتُه واتساعِ المكان المتراميةِ أطرافُه في القديم والحديث.
وفي إيجاز آخر أقربَ صلةً وأوثقَ نسبًا بموقعه في مجمع الخالدين، نقول: إن الراجحي فارس لغوي يصول ويجول في ساحات الدرس اللغوي العربيّ بعامة، بالتركيز على ميدانين افترقا في المسيرة زمنًا واتجاهًا، وائتلفا، بل تكاملا في الهدف المطلوب والقصد المرغوب، وهو خدمة اللغة العربية ونفع أصحابها.
الميدان الأول:
يتمثل هذا الميدان في محاورة الجنود لتعرف مواقعهم وجملةِ نشاطهم، ولتصنيفِ هذا النشاط من حيث صلاحيتُه وإمكاناتُه للوصول إلى الغاية المنشودة: نظر وفكّر وتدبّر في مجمل ذلك المحصول اللغوي الضخم الواسعِ الأبعاد والجنبات الذي ألقى به إلينا ذلك النفرُ من المقاتلين الأشدّاء من علماء العربية في القديم. صنع هذا كلَّه بحكمة وأناة، فألفى هذا المحصولَ غذاءً طيبًا وثمرًا نافعًا، يُزيل الجَوْعة ويصرف اللوعة ويمسح الدمعة، وإن كان يحتاج في إعداده وطرائق تناوله إلى شيء من الحصافة وبُعد النظر في اختيار ما يناسب أو يلائم الظرفَ والمناسبة من هذا الإعداد وذاك التناول.