فهرس الكتاب

الصفحة 4112 من 4462

هداه فكره إلى أن التقعيد اللغوي عند العرب، جاء مبنيًّا على منهجين متكاملين، تكاملَ الإنسان صاحبِ اللغة. بُنِيَ التقعيد عندهم على"النقل"و"العقل"معًا، فالتقى الجمعان التقاءً كاملًا مع طبيعة الإنسان وخاصته المتمثلة في الجسد والروح. يؤكد صاحبنا الدكتور الراجحي هذا المعنى بقوله:"إن النحو العربي (ويقصد به قواعد العربية في عمومها المعبر عنها حديثًا بالمصطلح Grammar ) كان صورةً للمناخ الفكري العام في الحياة الإسلامية ... وإن هذا المناخ قد زوّده بالاتجاه النقلي الذي أفضى إلى منهج وصفي واضح، وزوده أيضًا بالاتجاه العقلي الذي أدى به إلى عدم الوقوف عند الوصف المحض، وإنما تعداه إلى تفسير ظواهِرِ العربية تفسيرًا عقليًّا. ويستمر قائلًا:"والذي لاشك فيه أن النحو العربي بامتلاكه هذين الاتجاهين، استطاع أن يُثبت صلاحيته التي لا تنكر في فهم طبيعة العربية"."

ومن الطريف حقًّا، أن هذا المعنى الذي يتضمنه مسلك العرب في التقعيد وارتضاه صاحبنا المحتفى به - هذا المعنى نفسه بالتصريح والتضمين، قد أدركه ووعى حقيقتَه بعضُ شعراء العربية في القديم. فهذا واحد منهم يقول:

إِنَّ الكلاَم لَفي الفُؤَادِ وَإِنَّما ...

جُعِلَ اللِّسَانُ على الفؤادِ دليلا

ويقول آخر:

لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌٌ، وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ...

فَلَمْ تَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ

فاللسان في البيتين (وهو الجارحة) يمثل الجسد، والفؤادُ في هذا المقام هو"العقل"فاكتمل الأمر للإنسان، كما اكتمل المنهجُ:"منهج النقل ومنهج العقل"، وفاء بوفاء، والتقاء كاملًا بلا مراء.

وليس هذا فقط، فإن هذا المسلك الثنائيَّ المتكاملَ في تقعيد العربية يلتقي التقاء يكاد يكون مباشرًا مع ما قرره علماء اللغة الأوربيون في العصر الحديث، من أمثال"همبولت"الألماني و"تشومسكي"الأمريكي المعروف. ويقول الدكتور الراجحي راويًا ومفسرًا أفكار الرجلين في هذه القضية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت