... ويذكر أنه شرع - وهو بحضرة السلطان - في تأليفٍ حول تاريخ غرناطة، وأن لسان الدين ابن الخطيب، تلميذ والده، وقف على بعض الكراريس منه عام 755هـ=1354م بمناسبة سفارته لدى السلطان أبي عنان عن ملك غرناطة (3) …
... وعندما قرَّر هذا السلطان استنساخ رحلة ابن بطوطة وجعلها في
متناول الناس ضاربًا عرض الحائط برأي بعض الحسدة والمنافسين، لم يجد في مجلسه أفضل من الكاتب ابن جزي
صاحب الخط الرفيع، خط ابن مُقْلة، كما نعته لسان الدين، لا سيما وأنه (ابن جزي) سبق له ـ على ما قلنا ـ أنه (ابن بطوطة) وتعرف على مذكراته عندما تم اللقاء في بستان غرناطة (1) .
... وامتثل ابن جزي أمرَ سيده وهكذا كتب له، أي لابن جزي أن يستمر ذكره عبر الأرجاء رغم عمره القصير على ما أسلفنا…
... كان ابنُ جزي - على ما ذكره مترجموه أديبًا رائعًا، ولذلك فقد كان خير من يختار لمهمةٍ مثل هذه، على ما كان يحيط بها من مصاعب ومتاعب.
... ونحن نعلم أن التأليف أيَّ تأليف إذا اشترك فيه اثنان، وتوزعت فيه المسؤولية بين حاكٍ وكاتب أصبح تأليفًا يحتاج إلى الحيطة… لا سيما إذا كان
التأليف مثل هذه الرحلة التي قام بها
شيخ جال في أطراف المعمورة، والتي سجل تقييداتهِ حولها شابٌّ يعتمد على
الحكاية والنقل ويصوغ التقاييد بأسلوبه، ولو أنه أسلوب جميل رفيع، لكنه تنقصه المشاهدة والمعايشة، علاوة على ما يثبت لنا مراجعة ابن بطوطة للعمل والتدقيق مع ابن جزي حول ما كتب، الأمر الذي لا أعتقد أنه حصل، فقد كان العمل أحاديًّا ولم يكن تعاقديًّا كما يقولون.
... ومن هنا توالت بعض الانتقادات على ما روى عن الرحالة… ابتدأت من عصره كما نعرف: ابن الخطيب الذي نقل عن شيخه أبي البركات البلفيقي ما لفَّقَه على ابن بطوطة… وابن خلدون الذي سعى، على جلالة قدره، إلى الوزير ابن أودرار لينقل إليه تناجي الناس بأكاذيب ابن بطوطة، آملًا في إتلاف الرحلة!! (2) .