فهرس الكتاب
ويدل على ذلك أيضا قول العمري في مكان آخر:"حدثني الرايس حسن المغربي أنهم كثيرا ما يعدلون في البحر عن السمت المستقيم من بلد إلى بلد طلبا للمرسى أو خوفا من العدو أو توعر الطريق لمجرى السفائن أو لأخد ماء أو زاد" (114) .
فهل يدل رجوع العمري إلى مغربيين في أمر البحر على استعمال المغاربة في البحرية يومئذ بمصر؟ وأعود إلى الشرح الفني الذي بسطه الرايس القرطبي حول القنباص لأذكر أن الزميل الدكتور عبد الهادي التازي استشهد به في بحث له عنوانه: الخريطة البحرية في الغرب الإسلامي (115) ، وقد ساق الزميل العزيز ما وقف عليه في مصطلح القنباص ومعناه.
وأود أن أضيف إلى ما ذكره في بحثه القيم أن ابن خلدون شرح أيضا هذا المصطلح في المقدمة فقال:"البلاد التي في حفافي البحر الرومي وفي عدوتيه مكتوبة كلها في صحيفة على شكل ما هي عليه في الوجود وفي وضعها في سواحل البحر على ترتيبها ومهاب الرياح وممراتها على اختلافها مرسوم معها في تلك الصحيفة ، ويسمونها الكنباص وعليها يعتمدون في أسفارهم (116) "وهذا شرح واضح لهذه الكلمة التي هى تعريب للكلمة الإسبانية compas.
وقد شاع استعمال هذه الكلمة المعربة في القرن الثامن الهجري ، ومن شيوعها أنها انتقلت من الحقل التقني إلى الحقل الأدبي فقد وجدتها في قصيدة لأبي إسحاق إبراهيم ابن الحاج النميري (117) وهو كالعمري وابن خلدون من أهل القرن الثامن الهجري ، قال متحدثا عن أعداء ممدوحه:
وتشاغلوا بالخوص في بحر الردى
... كتشاغل البحري بالكنباص (118)
والذي يقف على صورة القنباص في السفر الثاني من مسالك الأبصار (119) ويرى تكاثف خطوطها وتشعب اتجاهاتها يدرك حقيقة الصورة الشعرية ويتصور مدى تشاغل الناظر في القنباص لمحاولة التهدي إلى وجهته أو التخلص من ورطته.