ويَنْعَى الله على الكفار إشراكهم في عبادته آلهةً لهم وأنهم لم يفيدوا أى فائدة من العقل الذى أهداه إليهم في معرفته والإيمان بألوهيته ، يقول: ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) والله ـ جل شأنه ـ يقول إن المشركين الكفار وعطَّلوا قلوبهم أى عقولهم عن النظر في ملكوته وآياته الكونية والتأمل فيها ، فلم تعد تفقه أو تدرك شيئا ، وعطلوا أعينهم فلم تعد تنظر في الكون شيئا يهديها إلى الحق ، وعطلوا آذانهم فلم تعد تنتفع بما نسمع من القرآن وما فيه من الهدى إلى عبادة الله ، ويقول الله إنهم مثل الأنعام من الإبل والبقر والغنم فلا عقل لهم ولا إداراك ولا بصيرة ( بل هم أضلّ ) من الأنعام ، إذ لا يؤدّى بها ضلالها أن تسقط في مهاوى الضلال ، لما ألهمها الله من معرفة مضارِّها ومنافعها ، أما المشركون فإنهم حجبوا عقولهم عن التأمل السديد في الكون تأملا يهديهم إلى معلافة الله وعبادتهم له وحده ، وإنهم لغافلون عن سعادتهم في الدنيا والآخرة وإذا تركنا هذه المحاكمة الكونية إلى العقل ونظرنا في المحاور العقلية العامة للدعوة الإسلامية في القرآن الكريم وجدناها ـ كما لاحظ ابن رشد ـ تعود إلى ثلاثة محاور ، هى البرهان العقلى والعِظة والجدال السديد . ومن أمثلة البرهان العقلى في القرآن الكريم استلال الله على انتفاء الشركاء له في الألوهية بقوله: ( وما كان معه من إله لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ) . والله يقول محتجا على من يدعون أنَّ معه لآلهة أخرى إن ذلك يقتضى أن يستقل كل إله بطائفة من المخلوقات ، ويصبح كل إله عاجزا عن السيطرة على مخلوقات غيره ، مما يثبت العجز على رُبوبيتَّه ، وهو محال في حقيقة الألوهية . ودليل ثان أنه لو كان في الوجود آلهة أخرى ولكلِّ إلهٍ مخلوقاته لاصطدمت قدرته وإرادته بقدرة الآلهة الأخرى