فهرس الكتاب

الصفحة 521 من 4462

تمهيد:

تجمع المصادر التاريخية على أن أبا الطيب المتنبي ضاق ذرعًا بالحياة في رحاب كافور الإخشيدي لأسباب مختلفة أبرزها منزلة كافور الاجتماعية ، وأنه لم يحظ لديه بما كانت تطمح إليه نفسه ، غير أن كافورًا لم يكن ليخلي سبيله ، فهو يخشى إن أفلت من يده أن يوسعه هجاءً وذمًّا مثلما أوسعه مدحًا ، وقد كان يعلم أنه الشاعر الذائع الصيت، وأن شعره سرعان ما يستطير في الآفاق ، ولذلك كان كل منهما يُحاذر من الآخر، ويتوجس في نفسه منه .

ولكنَّ أبا الطيب ، وهو الشاعر الفارس الذي لم يستقر به المقام طويلًا في أي بلد ، أبت نفسه إلا تحررًا ، فاتخذ البيداء قلوصًا ، ولاذ بجانبها على نحو ما كان من شأن العرب في قول الأخنس:

لكل أناس من معد عمارة

... عروض إليها يلجؤون وجانب

وقول الذبياني:

فموضع البيت في صماء مظلمة

... تقيد العير لا يسري بها ساري

تدافع الناس عنها حين نركبها

... من المظالم تدعى أم صبار

أو كقول أحدهم:

قد شمرت عن ساقها فشمري

... واتخذي الليل قلوصًا تظفري

ودبر أمره بليل ، وأعد لفراره العدة في صمت وتكتم ، واهتبل فرصة اشتغال كافور يوم عرفة بأعطيات الجند ، وولى وجهه شطر المشرق،وبه عن طريق الشام حيدة ، وعن درب الحج ازورار كيلا يسهل على كافور طلبه . وكان أبو الطيب قد جسّ نبض كافور إذ استأذنه في الخروج إلى الرملة ( من أرض فلسطين) لغرض يقضيه ، فأبى وقال له: نكفيك ذلك ، ونرسل من يقضيه لك .

وكانت الطرق والدروب السالكة تحت سيطرة ولاته وعماله ، الأمر الذي جعل أبا الطيب يسلك طريقًا مجهولًا ، على نحو ما ذكره صاحب الإيضاح من أنه سار"على الحلل والأحياء والمفاوز المجاهيل والمناهل والأواجن". ( خزانة الأدب 2/3353) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت