فهرس الكتاب
ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن أبا الطيب لم يمر ببلبيس في رحلته هذه ، وذلك أنه كتب إلى عاملها عبد العزيز بن يوسف الخزاعي يطلب منه دليلا ، فأنفذه إليه ، ولو كان يخطط للمرور بها، وهي على طريق الشام، لما أنفذ الدليل إليه.وقد مدحه بقصيدة مطلعها: (ديوانه ص556)
جزى عربا أمست بِبُلْبَيس ربها
... بمسعاتها تقرر بذاك عيونها
وهذا يناقض ما أورده عبد الوهاب عزام في ذكرى أبي الطيب نقلًا عن مخطوطة وقف عليها من أن أبا الطيب قصد عبد العزيز الخزاعي في بلبيس ، ونزل عنده حين مر ببلده هاربًا . وربما أوهم بعض حاشيته أنه سيتوجه إلى هناك للتضليل ، وهذا يفسر ما أقدم عليه كافور إذ كتب إلى عماله بالحوفين والجفار وغزة والشام وجميع البوادي ظنًّا منه أنه سلك طريق الساحل إلى بلاد الشام (ذكرى..ص136) وكان المتنبي قد حمل من الماء على الإبل من نهر النيل عُدة لعشر ليال ، وتزود من المؤونة لمدة عشرين يومًا . ونورد فيما يلي قصة خروجه العجيبة نقلًا عن عبد الوهاب عزام في"ذكرى أبي الطيب بعد ألف عام" ( ص 137 - 142 ) .
"وكانت للأسود عليه عيون . وكان جميع جيرانه يراعونه حتى كان قوم يسهرون حذاء منزله يتفقدونه ويتعرفون من يدخل إليه ويخرج من عنده. ويفد كل يوم صاحب الخبر إلى بابه ، حتى يقف على حاله . وهو يعلم بذلك فلا يظهره لهم ."
وكان يتسلّى بفاتك والحديث معه . وتوفى فاتك فعمل أبو الطيب على الرحيل . وقد أعد كل ما يحتاج إليه على مر الأيام في رفق ولطف لا يعلم به أحد من غلمانه ، وهو يظهر الرغبة في المقام. وطال عليه التحفظ ، فخرج ، فدفن الرماح في الرمل ، وحمل الماء على الإبل في الليل من النيل عُدَّة لعشر ليال ، وتزود لعشرين .
وكتب إلى عبد العزيز بن يوسف الخزاعي"الأبيات التي قدَّمتُها"وأخفى طريقه ، فلم يأخذوا له أثرًا حتى قال بعض أهل البادية:
هبه سار فهل محا أثره .
وقال بعض المصريين:
إنما أقام حتى عمل طريقًا تحت الأرض.