فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 4462

اعتبر الفرنسيون اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر ، كما اعتبروا لغتهم الفرنسية هى اللغة الرسمية ولغة السيادة ، وكان ذلك منهم موقفًا واضحًا من الدين الإسلامى أيضا، لأن اللغة العربية هى لغة القرآن الكريم ولغة الحضارة التى كتب بها تراث الدولة الإسلامية . ومن جهة أخرى كان موقفا سياسيا واضحًا أيضًا لأن العربية كانت في العهد العثمانى هى لغة البلاد الإدارية والقضائية والتعليمية . فإذا استثنينا الجهاز المركزى بالعاصمة (الجزائر ) حيث كان الخلط بين العربية والتركية ، فإن إدارة الأقاليم والأوطان والجماعات والمدارس والمحاكم كانت كلها باللغة العربية . وهكذا فإن اعتبار اللغة الفرنسية هى اللغة الرسمية كان نفيًا لما عداها مما يعنى السيادة السياسية لفرنسا وضرب الدين الإسلامى ولغته وحضارته في الصميم .

ولكن هذا لا يعنى استغناء الفرنسيين عن اللغة العربية . لقد فهموا أن حاجاتهم الإدارية والاجتماعية لا يمكن أن تنجز إلا

باستعمال هذه اللغة . وقاموا من أجل ذلك بمحاولتين تبدوان متناقضتين: الأولى هى إهمال تدريس العربية الفصحى في المدارس القديمة وذلك بقطع مصادر الوقف عنها . (1) والثانية هى الاكتفاء بتدريس العربية الدارجة لضباط الجيش والراغبين في العمل الإدارى من المدنيين الفرنسيين، في حين أنهم تركوا المسلمين يحفظون القرآن وحده في الكتاتيب بدون دراسة للعلوم المساعدة على فهمه وتفسيره . ومن ثمة بقى القرآن في الصدور دون الكتب ودون تطبيق تعاليمه على الحياة العامة . وبذلك كادت تختفى العلوم العربية ( النحو والصرف والبلاغة والإنشاء والعروض ) والعلوم الدينية ( الفقه والتوحيد والحديث والتفسير ) لولا وجود الزوايا القليلة التى تأثرت هى أيضا بالوضع السياسى العام (الاستيلاء على الأوقاف ، والحروب ، والاضطهاد) ومع ذلك واصلت تعليم العلوم المذكورة ولكن بطريقة تقليدية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت