فهرس الكتاب
أما شعوبنا فستكون ، في هذا العالم الذي صورنا ، مضطرة إلى أحد خيارين: إما السعي إلى التنمية ، كل على حدة ، وهذا يُفضي إلى انحسار حضارتنا وتقلص استعمال لغتنا في شؤون الثقافة والفكر والعلم ؛ وإما ، وهو الخيار الثاني ، التكتل فيما بينها لإنشاء قوة جماعية قادرة على النهوض بالمسؤوليات الإنمائية، اقتصادا وثقافة معا . وهذا الخيار لا يعني الانغلاق ، بل إنه لا يستقيم إلا بالتعاون، إلى أبعد الحدود الممكنة ، مع الكتل الكبرى ، لكن بما لا يهدد شخصيتنا الحضارية ولا ذاتيتنا الثقافية ولا حيوية لغتنا . وهو الخيار الأمثل ولكنه يتطلّب مراجعة جذرية للتنظيمات التي عليها العمل المشترك . وفي هذا الصدد ، لدولنا عبرة فيما أقامته أوربا الغربية بين دولها من اتحاد لم يلغِ سيادتها ، وحقق لها مكاسب وإنجازات عظيمة ليس أقلها استتباب السلم بينها منذ نصف قرن .
واعتقادي أن لا خيار لدولنا غير تنظيم عمل مشترك على أسس مستوحاة من التجربة الأوربية التي فتحت لأعضائها مجالات للتعاون ضاعفت من قوتها الإنمائية وأكسبتها في العالم وزنا عظيما . وبذلك تكون دولنا، في نفس الوقت ، قد خدمت مصالحها الوطنية الخاصة ، وفتحت لأمتها العربية عهدا جديدا يمكّنها من أن تطمح إلى العز والازدهار ، بإحياء ثقافتها وتنمية لغتها - لغة القرآن التي هي رباطها وعنوان تضامنها وتكافلها في كل الشؤون الأساسية ومنها وقاية أبنائها من مذلة البحث عن الرزق في أقطار يُسامون فيها أنواع الخسف .
إن العمل العربي المشترك محتاج ، في هذا الظرف إلى نفس جديد . ولن يُكتب له أن يتحرّك من عقاله إلاّ بدفع قوي - من إحدى دولنا أو كوكبة من دولنا - يعيد الإيمان بجدوى التعاون العربي ويمكِّن من تجديد آلياته وتصحيح مساره وضبط مقاصده .
وكلّنا يذكر الدور الحاسم الذي قامت به ، منذ تأسيس الجامعة ، الدولة المصرية ، بالتعاون مع عدد من الدول الأعضاء .