وأما الثاني فلأن الصحابة رضي الله عنهم لم يتوسلوا بذات النبي صلى الله عليه وسلم ولا بجاهه لا في حياته ولا في مماته وهم أعلم الناس بمقامه عند الله وبجاهه عنده وأعرفهم بالشريعة ، وقد نزلت بهم الشدائد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته فلجأوا إلى الله ودعوه لكشفها ، ولو كان التوسل بذاته أو بجاهه صلى الله عليه وسلم مشروعًا لعلمهم إياه صلى الله عليه وسلم لأنه لم يترك أمرًا يقرب إلى الله إلا أمر به وأرشد إليه ، ولعملوا به رضوان الله عليهم حرصًا على العمل بما شرع لهم وخاصة وقت الشدة ، فعدم ثبوت الإذن فيه منه صلى الله عليه سولم والإرشاد إليه وعدم العمل به دليل على أنه لا يجوز .
والذي ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتوسلون إلى الله بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ربه استجابة لطلبهم ، وذلك في حياته كما في الاستسقاء وغيره فما مات صلى الله عليه وسلم قال عمر رضي الله عنه ، لما خرج للاستسقاء: ( اللهم ربنا إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا ، فيسقون ) . رواه البخاري . يريد بدعاء العباس ربه وسؤاله إياه ، وليس المراد التوسل بجاه العباس ، لأن جاه النبي صلى الله عليه وسلم أعظم منه وأعلى وهو ثابت له بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بدلًا من توسلهم بالعباس لكنهم لم بفعلوا .
ثم إن التوسل بجاه الأنبياء وسائر الصالحين وسيلة من وسائل الشرك القريبة كما أرشد إلى ذلك الواقع والتجارب ، فكان ذلك ممنوعًا سدًا للذريعة وحماية لجناب التوحيد . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
( اللجنة الدائمة ) .