وهذا إنما يكون في حياة الداعي أما بعد موته فلا يجوز ، لأنه لا عمل له فقد انتقل إلى دار الجزاء ، ولذلك لما أجدب الناس في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لهم ، بل استسقى عمر بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له: قم فاستسق ، فقام العباس فدعا . وأما ما يروى عن العتبي أن أعرابيًا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله ، سمعت الله يقول: ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيما ً ) ، وقد جئتك مستغفرًا من ذنوبي مستشفعًا بك إلى ربي .. وذكر تمام القصة فهذه كذب لا تصح ، والآية ليس فيها دليل لذلك ، لأن الله يقول: ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ) . ولم يقل: إذا ظلموا أنفسهم . و ( إذا ) لما مضى لا للمستقبل ، والآية في قوم تحاكموا أو أرادوا التحاكم إلى غير الله ورسوله كما يدل على ذلك سياقها السابق واللاحق .
القسم الثاني: أن يكون التوسل بوسيلة لم يأت بها الشرع وهي نوعان:
أحدهما: أن يكون بوسيلة أبطلها الشرع كتوسل المشركين بآلهتهم ، وبطلان هذا ظاهر .
الثاني: أن يكون بوسيلة سكت عنها الشرع وهذا محرم ، وهو نوع من الشرك ، مثل أن يتوسل بجاه شخص ذي جاه عند الله فيقول: أسألك بجاه نبيك . فلا يجوز ذلك لأنه إثبات لسبب لم يعتبره الشرع ، ولأن جاه ذي الجاه ليس له أثر في قبول الدعاء ، لأنه لا يتعلق بالداعي ولا بالمدعو ، وإنما هو من شأن ذي الجاه وحده ، فليس بنافع لك في حصول مطلوبك أو دفع مكروبك ، ووسيلة الشيء ما كان موصلًا إليه ، والتوسل بالشيء إلى ما لا يوصل إليه نوع من العبث ، فلا يليق أن تتخذه فيما بينك وبين ربك . والله الموفق .
( ابن عثيمين ) .