الصفحة 112 من 123

فاطمأننت إلى قوله و رجعت، و رجع التنين في طلبي _ أي أنه قد بشر أنه ليس من اهل النار ولكن ما بال هذا التنين يركض وراءه؟ _فأتيتُ الشيخَ فقلت: يا شيخ! سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل. فبكى الشيخُ، و قال: أنا ضعيف، و لكن سر إلى هذا الجبل، فإن فيه ودائعَ المسلمين، ِفإن كان لك فيه وديعة فستجيرك.

فلما نظرت إلى الجبل و لَّيتُ إليه هاربًا، و التنين من ورائي، حتى إذا قرُبْتُ مِنه [1] صاحَ بعضُ الملائكة: ارفعوا الستور و افتحوا المصاريع و أشرفوا [2] ! فلعل لهذا البائسِ فيكم وديعةُ تجيره من عدوه. فإذا الستور قد رفعت، و المصاريع قد فتحت [3] ، فأشرف علي أطفالُ بوجوه كالأقمار. و قرُبَ التنينُ مني، فتحيرت في أمري. فصاح بعضُ الأطفال: و يحكم! أشرِفوا كلكم، فقد قرُبَ منه عدوه.

فأشرفوا فوجًا بعد فوج، و إذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت عليَّ معهم. فلما رأتني بكت، و قالت: أبي و الله!. فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها، و مدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربًا، ثم أجلستني، و قعدت في حجري، و ضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي، و قالت: يا أبت" {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} (الحديد: من الآية16) . فبكيتُ و قلتُ: يا بنية! و أنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت! نحن أعرف به منكم. قلت: فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني. قالت: ذلك عملُكَ السيءُ قوَّيتَه؛ فأراد أن يُغرقَك في نار جهنم. قلت: فأخبريني عن الشيخ الذي مررتُ به في طريقي. قالت: يا أبت! ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن به طاقة بعملك السوء. قلت: يا بنية! و ما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أُسْكِنَّا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفعُ لكم."

قال مالك بن دينار: فانتبهتُ فزِعًا و لمَّا أصبحت فارقتُ المسكر، و كسرت الآنية و تبت إلى الله عز و جل. و هذا كان سبب توبتي [4] .

أخي المستمع جاء في الحديث: القدسي فيما رواه مسلم عن أبي ذر عن رسول - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ

(1) يقال قرُبَ منه ككرُمَ وقرِبه انظر القاموس المحيط.

(2) الشرَفُ: العُلو: والمعنى أن المنادي ناداهم لينظروا من علو الجبل.

(3) المصاريع: الأبواب

(4) ابن قدامة: عبد الله كتاب التوابين: ص 202 CD موسوعة طالب العلم مؤسسة عبداللطيف للمعلومات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت