الصفحة 32 من 123

إن الحمد لله نحمده ...

يقول الله تعالى: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المائدة 74)

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قد دعا الله تعالى إلى مغفرته كلَ من عصاه وكلَ من أخطأ حتى ولو كان الذنب كبيرا فدعا للتوبة من زعم أن المسيح هو الله ومن زعم أن المسيح هو ابنُ الله ومن زعم أن عزيرًا ابنُ الله ومن زعم أن الله فقير ومن زعم أن يد الله مغلولة ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول الله تعالى لهؤلاء:" (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:74) "

ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولًا من هؤلاء, من قال (َ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (النازعات: من الآية24) وقال:"ما علمت لكم من إله غيري"فمن آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتابَ الله عز وجل, ولكن لا يقدر العبدُ أن يتوبَ حتى يتوبَ الله عليه.

نعم، أخي الكريم، إن باب التوبة واسع فمهما بدت الذنوبُ عظيمةً وكبيرةً فإن عفوَ اللهِ تعالى أعظمُ، وأكبر، وكما قال أبو نواس في أجمل ما قاله العرب في الإنابة والرجاء:

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً ... فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ ... فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ

أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعًا ... فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ

ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلّا الرَجا ... وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ

إن عفو الله تعالى كبيرٌ، ورحمةَ الله تعالى وسعت كل شيء قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ} (لأعراف: من الآية156)

فانظر، كيف جعل الله تعالى رحمتَه لمن يتقون، ويؤتون الزكاة، ويتوبون إليه راجين رحمته.

أخرج الشيخان في صحيحيهما عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ بِسَبْيٍ. فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ، تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ: «أَتَرَوْنَ هاذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قُلْنَا: لاَ. وَاللّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ: «لله أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هاذِهِ بِوَلَدِهَا» [1] .

إن رحمة الأم المرضع بولدها هي من فيض رحمة الله تعالى على خلقه، فاطرق باب الرحيم وتوجه إليه بقلب صادق

(1) - انظر صحيح البخاري كتاب الأدب (12/ 36) ، وصحيح مسلم كتاب التوبة (17/ 61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت