الصفحة 68 من 123

بلال بن رباح -رضي الله عنه-

إن الحمد لله نحمده ....

يقول الله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (الأحزاب: 23)

من هؤلاء الصادقين، الصحابيِ الجليل بلالِ بن رباح، رضي الله عنه، كان عبدا في بداية حياته ثم دخل في الإسلام، ولما جهر رسول الله بالدعوة بدء كفار قريش بتعذيب المسلمين لِيَرُدُّوهم عن دينهم، مارس كفار قريشٍ أشكالًا من البطش والتعذيب ليتنازل المسلمون عن مبادئهم: فمنهم من وضع الجمرُ المحترق على ظهره فما أطفأ حرَ الجمرِ إلا شحمُ ظهره كخباب بن الأرت ومنهم من جلد بالسياط كآل ياسر. أما بلالٌ فقد وضع في الصحراء المحرقة و الصخر على صدره وكلما طلبوا منه أن يتنازل ما كان منه إلا أن قال: أحد أحد. يقول أحد الصحابة واصفاََ صبر بلال: ما منا من أحد إلا وطاوعهم على شيء مما يريدون من شدة التعذيب إلا بلالا فقد هانت عليه نفسه في سبيل الله!! تُرى ما الذي جعل بلالًا وأصحابَ رسول الله يواجهون التعذيب ولا يتنازلون؟! العبيد والسادة من كفار قريش حاروا في فهم سلوك بلال، لماذا لا يتنازل عن مبادئه وينعم بأكل وشرب في ظل العبودية لأمية؟ لكن بلالًا ذاق حلاوة الإيمان وشعر بإنسانيته حين أعلن إسلامه حتى هان عليه أكله وشربه ورأى أن الحياة لغايةٍ أسمى من التصفيق للطغيان، وأنه قد تطول الأعمارُ لا مجد فيها ويضم الأمجادَ يوم قصير، لقد عرف بلالٌ بعد أن نوَّر الإسلامُ قلبَه حلاوة أن يكون الإنسان قائدًا لا تابعًا، قائدًا لإرادته صانعًا لقراره حين حرر ذاته من الخوف والخنوع، فتحدى سياطهم وتعذيبهم، ليعلن ميلاد حرية الإنسان وأننا لسنا عبيدًا لأحد إلا لمولانا الصمد، وكأن لسان حاله: يقول:

الناس إنسانان: من همه أن يرتوي ذلًا وان يلعبا

وآخر تأبي عليه الحجى إلا بأن يشقى وأن يتعبا

ما قيمة الألقاب منصوبة والظهر بالخزي احدودبا

إن الأطفال الصغار يفرحون للدمى الصغيرة، وكلما كبر الإنسان كبر اهتمامه، فالكبير لا يُضيع وقتَه في ألعاب الصغار، ويرى ذلك من العبث، وكذا، كان بلالٌ يرى أن من يقضي حياته بعيدًا عن رب العالمين، عابث أهدر حياته في غير ما ينفع، وظلم نفسه في عبودية البشر كان جهدُ بلالٍ محل تقدير من عباد الله المؤمنين ومن رب العالمين فحين أسري برسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، ثم عرج به إلى السماوات، وشهد بعض مشاهد الجنة كان فيما عرض عليه من أمور الجنة أنه سمع صوت أقدامِ بلال في الجنة، فلما نزل سأل بلالًا ما العبادة التي تتفوق بها على المسلمين حتى خصك الله بما خصك؟ فقال إني ما توضأت وضوء إلا وصليت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت