بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده
يقول الله تعالى: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (لأعراف:56)
أيها المحب، مهما بدت الذنوبُ كبيرةً فرحمةُ اللهِ أكبرُ، وأوسع، وعندما تطرقُ أبواب الرحمة بنية صادقة، وتتوجه إلى ربك الغفور تدعوه خوفا وطمعا، فستجدُ الله غفورا رحيما.
ولنتعرف على قصة أحد التائبين كان في بداية أمره مسرفا على نفسه بشرب الخمر وصار من كبار العباد في زمانه، بعد أن مَنَّ اللهُ عليه بالتوبةِ حين لجأ إلى باب ربه بقلب صادق وبدموع هتون، [1] هذا التائب اسمه مالك بن دينار، كان من كبار العباد حتى روى له البخاري في صحيحه أحاديث عن محمد بن سيرين، وعن القاسم بن محمد.
سئل عن سبب توبته، فقال: كنت شرطيًا و كنت منهمكًا على شرب الخمر. ثم إنني تزوجت وزرقت بنتًا. فشغفت بها، فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حبًا، و ألفتني و ألفتها. قال: فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي و جاذبتني عليه و هرقته على ثوبي، هذه الطفلة الصغيرة ترى أباها يشرب الخمر فتحاول منعه.
يقول مالك بن دينار: فلما تم لها سنتان ماتت، فأكمدني حزنها. فلما كانت ليلة النصف من شعبان، و كانت ليلة الجمعة، بت ثملًا من الخمر، و لم أصل صلاة العشاء. فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، و نُفخ في الصور، و بُعثرت القبورُ، و حُشرَ الخلائقُ، و أنا معهم. فسمعت حسًا من ورائي، فالتفت، فإذا أنا بتنينٍ أعظمَ ما يكونُ أسودَ أزرقَ قد فتح فاهُ مسرعًا نحوي. فمررتُ بين يديه هاربًا، فزعًا، مرعوبًا. فمررتُ في طريقي بشيخٍ نقي الثوبِ طيبِ الرائحة، فسلَّمتُ عليه فرد السلام فقلت: أيها الشيخ! أجرني من هذا التنين أجارك الله، فبكى الشيخ و قال لي: أنا ضعيف و هذا أقوى مني و ما أقدر عليه، و لكن مر و أسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه. فوليت هاربًا على وجهي، فصعدت على شرف من شرف القيامة، فأشرفت على طبقات النيران، فنظرت إلى هولها، و كدت أهوي فيها من فزع التنين، فصاح بي صائح: ارجعْ فلستَ من أهلها!
(1) الهتون: المطر الخفيف وفي القاموس المحيط يقال هَتَنَتِ السَّماءُ انْصَبَّتْ، وهو الضَّعيفُ الدائِمُ، أو مَطَرُ ساعةٍ ثم يَفْتُرُ، ثُمَّ يَعُودُ.